وَمَا كَانَ أَحْسَنَ الْعَيْشَ لَوْ أَنَّ الصِّبَا
جَرَى بِالْعَيْشِ أَوْ دَامَتْ لَنَا الْأَطْبَاعُ
وَلَكِنَّهَا لَمْ تَسْتَجِبْ حِينَ انْثَنَتْ
صُدُوفٌ تُجَافِيهَا الْقُلُوبُ الْمُطَاوِعُ
تَرَاءَتْ كَحُلْمٍ فِي الدُّجَى ثُمَّ انْمَحَى
كَمَا خَافَتِ الْأَنْوَارُ لَمَّا الشَّطَاعُ
تَغَنَّى بِهَا الْوَصْلُ الْقَدِيمُ كَأَنَّهُ
سَرَابٌ يُبَاهِي فِي الْمَدَى مَنْ ضَاعُوا
وَهَلْ يُرْجَعُ الْمَاضِي إِذَا لَفَّهُ الْأَسَى؟
وَهَلْ تَجْبُرُ الْأَشْوَاقَ نَظْرَةُ رَاعُ؟
أَيَا زَمَنَ الْأَيَّامِ لَيْتَكَ رَاجِعٌ
إِلَيْنَا، فَفِي الْأَحْشَاءِ وَجْدٌ قَطَاعُ
أَحِنُّ إِلَى أَيَّامِ صَفْوٍ مَضَى بِهَا
جَمَالٌ، وَكَانَتْ فِي الْمُنَى أَطْمَاعُ
سَقَتْنَا اللَّيَالِي مِنْ حَنِينٍ مَدَامِعًا
وَفِي كُلِّ قَطْرٍ لِلْهَوَى إِيرَاعُ
فَيَا لَيْتَ قَلْبِي مَا أَحَبَّ وَلَا هَوَى
وَلَا مَسَّهُ ذِكْرَى وَلَا اسْتِرْجَاعُ
فَإِنِّي إِذَا مَا أَغْمَضَ اللَّيْلُ جَفْنَهُ
تَقَلَّبَ وَجْدِي وَالْفُؤَادُ يُنَازِعُ
تَمُرُّ اللَّيَالِي وَالْهُمُومُ كَأَنَّهَا
سُيُوفٌ عَلَى الْأَرْوَاحِ لَا تُنْزَاعُ
وَمَا بَيْنَ أَشْوَاقِي وَيَأْسِ تَأَمُّلِي
مُنًى تَتَهَادَى وَالرَّجَا مُرْتَاعُ
كَأَنِّي غَرِيبُ الرُّوحِ فِي وَطَنِ الْهَوَى
تُطَارِدُنِي الظُّلُمَاتُ وَالْأَوْضَاعُ
أُحَدِّثُ نَجْمًا فِي السَّمَاءِ تَعَجُّبًا
فَيَهْوِي جَوَابِي فِي السُّكُونِ ضَيَاعُ
وَأَسْأَلُ نَفْسِي: هَلْ تُعِيدُ الْمَدَامِعُ
جَمَالًا طَوَتْهُ الْحَادِثَاتُ سِرَاعُ؟
وَتَبْكِي جُفُونِي إِنْ ذَكَرْتُ مَلَامِحًا
عَلَيْهَا دُجَى الْأَحْزَانِ صَارَ قِنَاعُ
كَأَنَّ الْهَوَى نَارٌ تُقِيمُ بِجَوْفِنَا
وَمَا فَوْقَهَا إِلَّا الصَّبْرُ قُنَّاعُ
وَمَا زَالَ فِي صَدْرِي لَهِيبٌ مِنَ اللَّظَى
يُجَاهِدُهُ صَمْتِي وَفِيهِ صِرَاعُ
وَفِي كُلِّ دَرْبٍ كُنْتُ أَمْشِيهِ مُحِبًّا
تَرَانِي، وَلَكِنْ خَلْفَ ظِلِّي ضَيَاعُ
أُخَبِّئُ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِي حِكَايَةً
أَضَاعَ بِهَا التَّكْذِيبُ كُلَّ السَّمَاعُ
وَأَرْنُو إِلَى وَجْهِ التَّمَنِّي سَاهِمًا
كَأَنِّي إِلَى أَمَلِ السِّنِينَ شُجَاعُ
فَلَا اللَّيْلُ أَنْصَفَنِي، وَلَا الْفَجْرُ قَدْ بَدَا
وَلَا عَادَ فِي عَيْنِي السُّرُورُ سِطَاعُ
وَكَمْ مَرَّةٍ حَاوَلْتُ نِسْيَانَ طَيْفِهَا
وَلَكِنَّ رُوحِي لِلْحَنِينِ تُبَاعُ
وَيَا وَجْهَهَا إِنِّي أُحِبُّكِ إِنَّمَا
رَمَانِي عَلَى جُرْحِي هَوَاكِ النَّفَّاعُ
وَلَوْ كُنْتِ تَدْرِي مَا أُعَانِيهِ فِي الدُّجَى
لَأَرْسَلْتِ مِنْ شَمْسِ الرَّجَاءِ شِعَاعُ
تَعِبْتُ، وَلَكِنِّي وَفَّيْتُ مَعَاهِدِي
فَصِدْقِي عَلَى الْأَيَّامِ كَانَ شُجَاعُ
سَأَبْقَى عَلَى عَهْدِي وَإِنْ ذَابَ طَيْفُهَا
كَعِطْرٍ تَفَلَّتَ وَالْهَوَى مَسْمُوعُ
وَمَا الْحُبُّ إِلَّا أَنْ تُضَحِّيَ بِرُوحِكَ
وَلَوْ زَجَرَتْكَ الْخُطْوُ وَالْمَمْنُوعُ
تَغِيبُ، وَلَكِنِّي أَرَاهَا بِأَنْجُمِي
وَفِي كُلِّ فَجْرٍ لِلرَّجَا مِصْرَاعُ
وَتَسْأَلُنِي رُوحِي: أَحَقًّا نَسِيتَهَا؟
فَأَبْكِي، وَفِي قَلْبِي تُقِيمُ بِدَاعُ
أُخَبِّئُ حَرْفِي عَنْ عُيُونِ مُعَانِقِي
وَفِي كُلِّ نَظْرَةِ صَمْتِهِمْ إِيقَاعُ
فَلَا تَسْأَلُونِي عَنْ هَوَاهَا، فَإِنَّهُ
يُقِيمُ بِسِرِّي، وَالْبُعَادُ خِدَاعُ
وَلَوْ عُدْتُ لِلذِّكْرَى أُعِيدُ دَفَاتِرًا
بِهَا الشَّوْقُ دَمْعٌ وَالرَّجَا مِطْوَاعُ
وَكَمْ مَرَّةٍ هَمَسَتْ لِي الرِّيحُ بِاسْمِهَا
فَكَادَ الْهَوَى مِنْ ضِلْعِيَ أَنْ يُنْزَاعُ
فَإِنْ غَابَ عَنْ عَيْنِي خَيَالُ مَلَاكِهَا
فَفِي الْقَلْبِ ظِلٌّ لِلصَّفَاءِ يُشَاعُ
عَذِيرِي إِذَا سُمِّيتُ شَاعِرَ فِتْنَةٍ
جَنَتْ فِي دَمِي، وَاغْتَالَنِي الْإِبْدَاعُ
فَلِي شَهْقَةٌ مِنْ وَجْدِ مَاضٍ أَحَبُّهُ
وَفِي كُلِّ شَهِيقٍ بِهِ اسْتِمَاعُ
عَجِبْتُ لِقَلْبِي كَيْفَ يَرْجُو لِقَاءَهَا
وَفِي كُلِّ دَرْبٍ لِلْجَفَاءِ قُطَّاعُ
كَأَنَّ اللَّيَالِي كُلَّمَا قُلْتُ تُنْهِي
تُعِيدُ عَلَى وَجْدِ النَّوَى تَرَاجِحُ
وَفِي كُلِّ صَوْتٍ لِلْحَنِينِ تَذَكُّرٌ
وَفِي كُلِّ صَمْتٍ لِلْهَوَى إِبْدَاعُ
وَمَا عَادَ فِي قَلْبِي سِوَى ظِلِّ شَاعِرٍ
تَنَاهَتْ بِهِ الْأَشْوَاقُ وَالْإِقْلَاعُ
أُرَاقِبُ وَجْهَ السُّهْدِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ
وَفِي وَجْنَتَيَّ الْبَوْحُ وَالْإِنْصَاعُ
فَيَا سَارَةُ، لَوْ تَدْرِينَ مَا بِي، لَعُدْتِ
وَفِي عَوْدِكِ الشَّافِي، لَنَا إِقْنَاعُ
فَأَنْتِ الَّتِي بِالشِّعْرِ كُنْتِ مُلْهِمَتِي
وَفِيكِ اشْتِعَالُ الرُّوحِ وَالْإِشْبَاعُ
أُقَبِّلُ ظِلًّا مِنْ بَقَايَا خُطَاكِ إِنْ
مَشَيْتِ، وَفِي الْمِرْآةِ لَكِ إِسْرَاعُ
وَتَبْقَيْنَ، مَا دَامَ الْهَوَى فِي حَنَايَ
نَجَاةَ اشْتِيَاقِي، وَالنَّدَى الْمُمْتَاعُ
إِذَا غِبْتِ، فَالْأَحْلَامُ فِي اللَّيْلِ تَسْأَلُ
مَتَى تَرْجِعِينَ؟ وَهَلْ لَنَا اجْتِمَاعُ؟
وَإِنْ طَالَ هَذَا الْبُعْدُ، فَالذِّكْرَى تَرَى
بِأَنَّ الْوَفَاءَ، وَإِنْ بَكَى، بَزَّاعُ
فَدُومِي عَلَى عَرْشِ الْحَنِينِ كَمَلِكَةٍ
لَهَا فِي دَمِي عِشْقٌ وَفِيهِ يُذَاعُ
وَيَا كُلَّ مَا قَدْ كُنْتِ فِيّ وَفِي دَمِي
سَلَامٌ عَلَى دَرْبِ الْهَوَى، وَسِيَاعُ