سموتُ بنفسي عن ودادِ صديقِ
ونزَّهتُ قلبي عن إخاء رفيقِ
وأسلمني طول اختباري إلى القِلى
فأُبتُ بيأسٍ في الفؤاد عميق
نبذتهمُ نبذَ النواة وإنني
كما علموا بالودِّ جدُّ خليق
وخالفتُ أستاذ المعرَّةِ إذ نأى
بقلبٍ يعنِّيه الفراقُ خفوق
على أنني والحمد لله آيبٌ
بقلبٍ جميعِ الشّمل غيرِ طليق
أأصبو إلى أجرٍ لذئبٍ عرفته
أبوهم زمانٌ مولعٌ بعقوق
وكيف صلاحُ الفرع والأصل قد نما
بماءٍ جرى بالمخزيات عَريق
ومن أين للأشواك بالزهر ناضرًا
وهل يُنبت المرذولُ غيرَ صفيق؟
فعذرًا إذا ما فاض شعريَ علقمًا
فيا طالما أجريتُه برحيق
فهأنذا أُوليه نظرةَ ساخرٍ
ليذهلَ عن لؤمٍ عَراهُ ومُوق
وكيف أرجِّي من زمانيَ وفرةً
وليس زماني من خنًى بمُفيق
أُحقِّره من أن أراه بمقلةٍ
تشير إلى مرمىً هناك سحيق
ألوم زمانا قيَّدتْني صروفُه
بحبل ودادٍ منه غير وثيق
فرقَّعْته حتى استمرَّ مريرُهُ
وحتى تداعى من بلىً ورُتوق
أُضمْضم أحشائي عليه وأَتَّقي
حماقاتِه حتى غصَصْتُ بريقي
وقد علموا أنْ لو أشاء لجيَّشتْ
عليهم خصالي كالشَّجى بِحُلوق
وإني لأصفو للصديق إذا صفا
وإن ماقَ أحملْه على الترْنيق
وقد أدَّني منه إذا كان دانيًا
وإمّا نأى أمسيت في العَيُّوق
وإنّي لا سمو فوق تنميق صُحْبةٍ
عليها قذًى من لوثة التنْميق
فسائلْ إذا ما شئت أيام سيدٍ
وعفّانَ عن عيش أغرَّ طليق
وكيف تساقينا كؤوسَ مودةٍ
ونخب زمانٍ بالثناء خليق
سما فرعُها فوق السِّماك وقد رستْ
على خير أطباق الثرى بعروق
إذا ماس في عليائها الودُّ ناضرًا
أدلَّت بفرعٍ للإخاء وَريق
فمذ بان عني ذلك العهدُ وانقضى
وحقِّك لم أنعم بودِّ رفيق
وما زلت في تعليل نفسيَ بالمنى
أقلِّب طرفي باحثًا كغريق
إذا أبصر الأمواجَ تبسمُ ظنَّها
تنجِّيه من هَمٍّ عراه وضيق
ولكنها الأمواج تبدو كشامتٍ
بغيضِ المحيّا لَجَّ في التصفيق
تصفّحتُ كلَّ الناس بعدُ فلم أجد
بهم مَنْ أزكِّيه للفظ صديق
ولما بدا لي اليأسُ أرسلت قولةً
إلى ناضر من ذاهبٍ مرموق
فديتكِ أيامًا حسانًا تتابعتْ
فأتبعتها فيضًا من التعليق
فهل كنتِ إلا الخلدَ لاح لناظري
فتهتُ ولم أعرف إليه طريقي
مزجتُ بها خمرَ الصّبابة بالصِّبا
على أكؤسٍ صيغتْ من التوفيق
وبات يساقينا الهوى باعثُ الهوى
بثغرٍ كما شاء الصّفاء أنيق
ويا طالما قد هزّني الشوق والجوى
لخمرٍ على تلك الثغور عتيق
أجاذبها عذبَ الحديث وحولنا
من الطُّهرِ ما يحلو لقلب مشوق
ويا حبَّذا وقعُ الحديث مرتّلاً
على خافقٍ جَمِّ الحياء علوق
برغم الليالي أن أبيت محسَّدًا
وقد بات غيري يَصْطلي بحريقي
أزفُّ بناتِ الشّعر غضًا إهابُها
حِسانًا وحولي كل أعجمَ زنديق
شعاريرُ آفاقٍ بدوا في كتيبةٍ
أرى شِعرهم ضربًا من التلفيق
وإني وإن ماق الزمان لحافظٌ
لعهدِهمُ في دقّةٍ ووثوق
وكم من صديقٍ بِتُّ منه بغصَّةٍ
أردِّدها من حسرةٍ بشهيق
أُجرَّعها ممزوجةً بحماقةٍ
له وبِطيشٍ لا يطاق ومُوق
فما عاد قلبي تطَّبيه مودةٌ
وليس على آثارها بعلوق
فلا فرقَ عندي بين وَغْد وماجدٍ
ولا بين طبلٍ في الأنام وبُوق