فِيمَا بَدَا مِنْهَا.. عَلَى الْمُتْعَبِ
لَمَحْتُهَا تُشْرِقُ مِنْ مَغْرِبِ
إِحْدَى عَلَامَاتٍ تَوَالَتْ وَلَمْ
تَفُزْ بِإِنْكَارٍ مِنَ الْكُذَّبِ
خَبَا بَصِيصٌ بَعْدَمَا غُرَّ بِي
فَقُلْتُ: (يَا بِنْتَ السَّمَا غَرِّبِي)
عَلَيَّ حَلَّتْ، قَبْلَمَا مَبْلَغٍ
لِتَائِهٍ، نُبُوءَةٌ مِنْ نَبِي
كَادَتْ.. وَمَا أَنْ خِيلَ لِي هَوْلُهَا
أَوْجَسْتُ مِنْ قُدُومِهَا الْمُرْعِبِ
صَبَّرْتُ رَوْعِي قَائِلًا: (إِنَّنِي
أَهْنَأُ مِنْ رَضِيعِهَا الْأَشْيَبِ
عَلَى الْأَقَلِّ.. الْأَرْضُ بِي لَمْ تَصِلْ
بَعْدُ إِلَى زِلْزَالِهَا الْمِكْرَبِ)(١)
تَمْضِي الثَّوَانِي دُونَمَا خُطْوَةٍ
والْوَقْتُ فِي تَمَسْمُرِ الْعَقْرَبِ
ولُعْبَةُ الْأَقْدَارِ تَبْتَزُّنِي
ولَسْتُ أَنْجُو كُلَّمَا مَهْرَبِ
بَقِيتُ كَالْمَشْلُولِ في قِصَّةٍ
تَحُوكُنِي رَبَابَةُ الْمُطْرِبِ(٢)
قَبْلَ الْمَدَى وَالْعِشْقُ آلَفْتُهُ
كَثَعْلَبٍ في غَزْوِهِ الْمُسْتَبِي(٣)
واسْتَفْتَحَ الرَّاوِي بِمَاذَا جَرَى
لِعَالِقٍ فِي خُدْعَةِ الثَّعْلَبِ
"حَتْمًا سَتَأْتِي"، قَالَ فِي نَفْسِهِ،
"قِيَامَةٌ وَلَسْتُ بِالْمُذْنِبِ
لَا تَوْبَةٌ وَالْوِزْرُ بَاقٍ وَإِنْ
عُرِّفْتُ فِيمَا قَبْلَ ذَا بِالصَّبِي"
وبَعْدَ قِيلٍ قِيلَ: (دَارَتْ عَلَى
إِنْسِيَّةٍ وَالْبَشَرِيِّ الْأَبِي)
إِذَا هُمَا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَوًى
كَانَا عَلَى الْفِطْرَةِ في مَرْحَبِ(٤)
لَاحَ عَلَى الْمِنْظَارِ قَلْبَاهُمَا
والْحُبُّ قَنَّاصٌ عَلَى الْمَرْقَبِ(٥)
أَلْقَى (كُيُوبِيدُ) عَلَى غِرَّةٍ
بِسِحْرِهِ وَسَهْمِهِ الْمِنْهَبِ(٦)
بَعْدًا أَصَابَ في تَلَاقِيهِمَا
مُعْجَبَةً (تَنشدُّ) لِلْمُعْجَبِ(٧)
وسُرِّقَتْ رَوِيَّةٌ مِنْهُمَا
وفَاقِدُو التَّهْيَامِ كَالمَنْهَبِ(٨)
قَالَ الَّذِي عَاصَرَ طَيْفَيْهِمَا:
(شَوْقُهُمَا بَدَا كَمُسْتَذْئِبِ)
مَرَّتْ مُقَدِّمَاتُ عِشْقٍ وَمَا
هُمَا سِوَى صَيْدَيْنِ لِلْمِخْلَبِ
مَا بَيْنَ شَوْقٍ جَاحَ وِجْدَانَهُ
وهَمْسَةٍ مِنْ لَحْظِهَا الْأَهْدَبِ
بِمُقْلَةٍ بَاحَتْ بِمَا لَمْ يُقَلْ
مِنْ مُقْلَةٍ إِنْ يَسْتَمِعْ يُسْحَبِ
وعَيْنُهَا بِفِتْنَةِ الْحُورِ إِنْ
تَلَفَّتَتْ نَحْوَ الْفَتَى تَخْلُبِ
حَاكَتْ (شِهِيدَ الدَّارِ) في عِفَّةٍ
وشَوْقُهُ أَطْمَعُ مِنْ (أَشْعَبِ)(٩)
رَادَا مَصِيرًا وَاحِدًا عِنْدَمَا
مَسَّتْ سَبِيٌّ عُمْقَ قَلْبِ السَّبِي
والْهَاتِفُ الْجَوَّالُ فِي وَاجِبٍ
وقَهْوَةٌ أُخْرَى عَلَى الْمَكْتَبِ
تَسَهَّدَ الْكَلَامُ دَهْرَ الدُّجَى
تَسُهُّدَ الْحَارِسِ في الْمَرْأَبِ
والْمَلَلُ النَّعْسَانُ فِي غَفْلَةٍ
والنَّوْمُ وَسْنَانُ وَلَمْ يَقْرُبِ
تَقَرَّبَ الَّلهْفَانُ مِنْ حَوْضِهَا
تَقَرُّبَ الْوُرَّادِ لِلْمَشْرَبِ
كَأَنَّهَا مِبْخَرَةٌ وَالْفَتَى
عَلَى جِمَارِ عِطْرِهَا يَكْتَبِي(١٠)
ووَعْدُهُ أَنْ قَالَ: (لَسْتُ الَّذِي
يَوْمًا عَلَى أُخْرَى بِمُحْدَوْدِبِ)(١١)
وقَلْبُهُ وَحْوَحَ في غُلَّةٍ
كَلُهْبَةِ الظَّمْآنِ فِي السَّبْسَبِ(١٢)
وشَعْرُهَا يَلُوحُ كَالْكِسْتِنَا
يُمَارِسُ التَّطَايُرَ (الهِنْدَبِي)(١٣)
حَوَّطَ مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ بِهِ
كَالشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ وَالْأَشْعَبِ(١٤)
ووَجْهُهَا كَبَدْرِ تَمٍّ بَدَا
بَرِيقُهُ كَالُّلؤْلُؤِ الْكَوْكَبِي
عَلَى بِسَاطِ الرِّيحِ يَدْنُو لَهُ..
وجَادَ (نُوحُ) الشَّوْقِ بِالْمَرْكَبِ
يَقْطَعُ أَشْوَاطَ الْهَنَا هَامِسًا
فِدَاهُ أُمِّي فِي الْهَوى بَلْ أَبِي
حَاوَلَ تَكْرَارًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ
وصْفَ الرِّنَا بِشِعْرِهِ الْمُنْجِبِ(١٥)
وفِي بَلَاطِهَا هَوَى رَاكِعًا
لِبَخْتَرَاتِ مَشْيِهَا الْمَوْكَبِي
وسُلِّمَ الْمُلْكَ عَلَى عَرْشِهَا
مَا غَرَّهُ فَخَامَةُ الْمَنْصِبِ
وتَاهَ كَالدَّرْوِيشِ في سَعْيِهِ
لِلْقُطْبِ فِي مَقَامِهِ الْمُذْهَبِ
كَأَنَّهُ تُحَيْتَ أَقْدَامِهَا
في حَضْرَةٍ فِي مَسْجِدٍ يَحْتَبِي
ومُرْسِلًا فَمًا إِذَا حَرْبُهُ
أَشْرَسُ مِنْ (بَكْرٍ) وَمِنْ (تَغْلِبِ)(١٦)
وأَعْشَبَ الْعَاشِقُ مِنْ قُبْلَةٍ
أَنْدَى طَرَاوَةً لِمُغْلَوْلِبِ(١٧)
وغَابَ وَقْتَ السُّكْرِ في سَكْرَةٍ
إِذَا احْتَسَى (طَعَامَةَ) الْمَرْضَبِ(١٨)
تَسَاتَلَتْ رَاحٌ لِكَأْسَيْهِمَا
وزَمْزَمُ الثَّغْرَيْنِ لَمْ تَنْضُبِ(١٩)
حَتَّى حَوَاهُ الْحِضْنُ حِينَ ارْتَمَى
مُسْتَمْتِعًا بِالْمَلْمَسِ الْأَرْنَبِي
فِي غُنْجِهَا خَارَ الْغَزَالُ الَّذِي
تَحُثُّهُ أَمِيرَةُ الرَّبْرَبِ(٢٠)
صُمُودُهُ انْتَهَى وَذَا نَبْضُهُ
في ضِلْعِهِ يَقْفِزُ كَالْجُنْدُبِ
ودَجَّنَتْهُ تَابِعًا مُخْلِصًا
إِنْ تَصْطَحِبْ أَحْلَامَهَا يَصْحَبِ
وصَاحَبَا الْأَوْهَامَ في رِحْلَةٍ
لَمْ يَصِلَا لِمُنْتَهَى الْمَرْغَبِ
رَسَتْ عَلَى أَحْمَرِ غَيْبُوبَةٍ
وفُتِّحَ الْوَرْدُ عَلَى الْمُجْدِبِ
رَسَتْ عَلَى بُرْهَانِ إِحْسَاسِهِ
رَسَا عَلَى اسْتِحَالَةِ الْمَطْلَبِ
وفَاحَ عِطْرُ الشَّعْرِ مِنْ قَلْبِهِ
فَبَثَّهُ بِثَغْرِهِ الْمُسْهِبِ
عَجَّتْ بِهَا أَشْعَارُ عِشْقٍ وَكَمْ
تَعَطَّرَتْ بِالشَّاعِرِ الْمُلْهِبِ
فَاسْتَقْبَلَتْ شُعُورَهُ بِالْجَفَا
بِعَقْلِ أُنْثَى غَيْرِ مُسْتَوْعِبِ(٢١)
"حُبُّك كَالْأَفْلَامِ" قَالَتْ لَهُ
فَقَالَ: (يَا قَلْبَ صُخُورٍ، هَبِي..(٢٢)
بِالنَّارِ أَدْنُو نَحْوَ مَعْشُوقَتِي
وإِنَّنِي بِالنُّضْجِ لَا أَطَّبِي)(٢٣)
لَمْ يَكْفُرَا بِالْعِشْقِ لَكِنْ نَمَا
بَعْضُ خِلَافَاتٍ عَلَى الْمَذْهَبِ
شَقَّتْ طَرِيقًا غَيْرَ دَرْبِ الُّلقَى
وغَرَّبَتْ عَنْ طِفْلِهَا الُّلبْلُبِ(٢٤)
رَبَّتْهُ بِالْإِبْعَادِ ثُمَّ النَّوَى
تَرْبِيَةَ الطِّفْلِ عَلَى الشِّبْشِبِ
فَذَابَ في وَجْدٍ، يُرَى حُزْنُهُ
مُهَلْوِسًا خَطْرَفَ بِالْقُنَّبِ(٢٥)
صَلَّتْ لِعِشْقٍ مِثْلَ (سُرْعُوفَةٍ)
صَلَّتْ تُقًى بِنَصْلِهَا الْأَحْدَبِ(٢٦)
وجَمَّعَتْ وَاهِيَ أَقْوَالِهِ
مِنْ شِعْرِهِ وَبَحْرِهِ الزَّغْرَبِي(٢٧)
وضُمِّنَتْ وَاهِي أَحَادِيثِهِ
كَمَا جَرَى التَّفْسِيرُ (لِلثَّعْلَبِي)(٢٨)
وقَوَّلَتْهُ الْإِثْمَ فِي قَوْلِهِ
وأَلْبَسَتْهُ الْقُبْحَ فِي الْخَيْدَبِ(٢٩)
وقَلْبُه يَنْهَارُ مِنْ عُجْبِهِ
فَثَغْرُهَا مَا كَانَ بِالْخُطْرُبِ(٣٠)
وصْلُهُمَا كَانَ عَلَى شَعْرَةٍ
(لِابْنِ أَبِي سُفْيَانَ) لَمْ يُخْرَبِ(٣١)
والْوَصْلُ يَا مُسْتَقْرِئَ الشِّعْرِ لِي
أَوْهَنُ مِنْ مَنَازِلِ الْعَنْكَبِ(٣٢)
حَتَّى إِذَا ذَلَّا لِدَوَّامَةٍ
بِالْعَنْدِ فِي مَدَارِهَا الَّلوْلَبِي(٣٣)
ورَخْوُ جِسْرِ الْوَصْلِ فِي مِحْنَةٍ
حِينَ نَأَتْ بِقَلْبِهَا الْمُضْرِب
واسْتُنْزِفَ (الْمِيزَانُ) مِنْ لَدْغَةٍ
مِنْ بُرْجِ (قَوْسٍ) لَا مِنَ (الْعَقْرَبِ)
حَالُهُمَا بَعْدَ ابْتِدَاءِ الْجَوَى
بَعِيدَةٌ فَرَّتْ مِنَ الْأَقْرَبِ
في بَالِهِ كَانْتْ (كَسَنْفُورَةٍ)
في بَالِهَا كَأَنَّهُ (شَرْشَبِي...)(٣٤)
في قَلْبِهِ عُدَّتْ كَنَبْضَاتِهِ
فِي قَلْبِهَا يُعَدُّ كَالْأَجْنَبِي
ويَهْمِسُ الرَّاوِي لَنَا: (لَيْسَ أَنْ
تُغَادِرَا الْمَدَارَ بِالْمَثْلَبِ) (٣٥)
وهَكَذَا مِنْ بَعْدِ حَاقَتْ بِنَا
قِيَامَةُ اخْتِبَارِنَا الْأَصْعَبِ
حَلَّتْ هَزِيمَةٌ وَجُمْهُورُنَا
يَدْعُو عَلَى الْحُكَّامِ وَالْمَلْعَبِ
وفَوْقَ صَخْرَةٍ إِذَا حُطِّمَتْ
أَحْلَامُنَا في الْقُرْبِ لَمْ أَنْدبِ
نِمْنَا عَلَيْهَا وَالْتَصَقْنَا بِنَا
وحُبُّنَا كَالْكَائِنِ الطُّحْلُبي
قَطَفْتُ حُزْنَ الْعَتْبِ مِنْ سَوْسَنٍ
فَفَاضَ بِي ثُمَّتَ لَمْ أَعْتُبِ
لَهِثْتَ طُولَ الْعُمْرِ خَلْفَ الرِّضَى
ولَسْتُ أَحْيَانًا بِمُسْتَعْتِبِ
أَخْفَيْتُ حُزْنَ عَالَمِي دَاخِلِي
فَوَلْوَلَ الْقَلْبُ وَلَمْ أَنْحَبِ
والَّلوْمُ في قَصِيدَتِي غَائِبٌ
حَتَّى قَوَافِي الْبَاءِ لَمْ تَشْجُبِ
كَمْ سِرْتُ يَا قَطْرَ النَّدَى هَائِمًا
مُنَوَّمًا في رَوْضِكِ الْمُخْضِبِ
مُغَيَّبًا في سَطْوَةِ السِّحْرِ أَوْ
مُسْتَسْلِمًا لِشَطِّكِ الْأَعْذَبِ
أَمْكِنَةٌ فِي جَنَّةٍ زُرْتُهَا
وارْتَادَهَا أَجْلَكِ قَلْبِي الْغَبِي
تِلْكَ الَّتِي مَدَّتْ لَنَا مَقْعَدًا
إِنْ يَرْتَحِلْ قِطَارُهَا يَنْعَبِ
وكُلَّمَا سَمِعْتُهُ خِلْتُهُ
يَأْسَى كَمَا تَأَسَّفَ الْقُرْطُبِي
قَدْ كُنْتِ في صَيْفِي وَفِي ذُرْوَةٍ
مِظَلَّةً تُمَدُّ لِلْحُجَّبِ
وكُنْتِ في صَقِيعِ شَتْوِيَّتِي
كَفُسْتُقٍ يَطْفُو عَلَى السَّحْلَبِ
واهًا لَنَا بِالْعِشْقِ لَمْ نَجْتَنِبْ
شَتَاتَنَا فِي كَوْنِنَا الْأَرْحَبِ
رَوَّضْتُ مَا رَوَّضْتُ في سِكَّتِي
وكُنْتِ لِي كَالْفَرَسِ الْأَجْنَبِ(٣٦)
هَذَا كِتَابُ الْحُزْنِ قَدْ ضَمَّنَا
مِنْ أَيِّ جُزْءٍ لِلْأَسَى أَجْتَبِي!
وفِي خِتَامِ الْدَّرْسِ لُخِّصْتُ في
حُزْنٍ عَلَى الْمَفْتُونِ مُسْتَغْلِبِ
وكَوْكَبِي حَوْلَكِ يَا عَالَمِي
يَدورُ حَوْلَ عَالَمِي الْأَغْرَبِ
فَضْلًا إِذَا ذُكِّرْتِ بِي فَاذْكُرِي
شَتَّى تَفَاصِيلِ الْهَوَى وَاكْتُبِي
"فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ مِنَّا انْتَهَى.."
وذَاكَ مَا يُكْتَبُ فِي الْأَغْلَبِ