كم بهذا السَّهب مرّت قافلهْ
مثل سَير النُّوق رهواً سابلهْ
غير أنَّي عاشقٌ ديني النُّواحْ
ثورة المحشر في هذا الصياحْ
أنا لحنٌ كلَّ عنه الوترُ
لا أبالي أنَّ عُودي يُكسرُ
أبعدِ القطرة عن سيلٍ طما
و انظرنَّ اليمَّ منه التطما
لا تعي موجيَ هذي الأنهرُ
لا تعي لُجَّيَ إلا أبحرُ
ليس أهلاً لسحابي زهرة
ليس فيها لنموٍّ روضةُ
كم بُروقٍ نائماتٍ في الجنانْ
ضاقت البيدُ لديها و القنانْ
إن تكن صحراء فاطلب لجَّتي
أو تكن سيناء فاقبس شعلتي
قد حُبيتُ الوردَ من عينْ الحياهْ
و وهبتُ السرَّ من عين الحياهْ
أشعل الذرة لحني الثائرُ
رفرفتْ فهي يراع طائرُ
مانثا ذا السر غيري في البشرْ
لم يثقَّب ناظم مثلي الدرر
أقبلنْ إن تبغ عيش الخالدينْ
أقبلنْ إن تبغ ملك العالمينْ
أفشتِ الأفلاك لي السر القديمْ
كيف يُخفى السرُّ من دون النديم
أيها الساقي من الراح اسقني
و أسُ في قلبي جراحَ الزمن
شعلة الماء التي من زمزم
قيصرٌ يعنو لها كالخدم
مقلة المُبصر منها أبصرُ
و شِعاب الفكر منها أنورُ
تجعل الريشة طوداً قاهرا
و تُري الثعلب ليثاً زائرا
هي تسمو للثريا بالثرى
و تعي القطرة منها أبحرا
تجعلُ الصمت ضجيج المحشرِ
تجعل الدُّرَّاج حتف الأصقُر
املأ الكأس بصفوٍ نيِّرِ
نوِّرِ الفكر بنور القمرِ
لأقود الرَّكب شطر المنزل
باعثاً شوق السُّرى في المقلِ
رائياً وجه جديد الأمل
ساعياً إثر جديد العمل
فأُرى إنسان عين العارفين
و أُرى لحناً بأُذن العالمين
مُعلياً قَدْرَ الكلام المُبدَع
مازجاً فيه غزير الأدمع
قارئاً من فيض ذا الشيخ العظيم
كُتُباً تُضمر أسرار العلومْ
قلبه من شعلة الوجد استعرْ
و أنا في نفسٍ منه شررْ
قد رمى الشمع فراشي باللهبْ
و غزتْ جامي الحُميَّا فالتهبْ
صيَّر الرومي طيني جوهرا
من غُباري شاد كوناً آخرا
ذرةً تصعدُ من صحرائها
لتنال الشمس في عليائها
إنني في لُجه موجٌ جرى
لأصيب الدر فيه نيِّرا
قد عرتني نشوةٌ من كاسه
و حياةً نلتُ من أنفاسه