لقد ذرفتْ على الخمسين سنِّي
فلستُ من الشباب وليس منِّي
جريت مع الصِّبا أمدًا بعيدًا
على ما فيَّ من سَقَمٍ ووَهْن
فأعجزني الصِّبا هربًا وولّى
ولو أني قدرْتُ كفيتُ قَرني
وفزتُ بما تناهبهُ لِداتي
من اللذّات في دعةٍ وأمْن
ولكني رجعتُ بغير زادٍ
سوى النَّكِديْنِ من ألمٍ وحزْن
وما برَّتْ بموعدها الليالي
ولا وفَّى الشبابُ بحُسْن ظني
فمن كان الشباب له عقيدًا
فمن عهد الشباب نفضْتُ رِدْني
وطبتُ عن الفجيعةِ فيه نفسًا
ولو أني عليه قرعتُ سنِّي
وكيف أُلامُ في تركِ التَّصابي
وغَضِّي عن ذواتِ الحسنِ جفني
ولم أنعمْ بروض الحبِّ يومًا
ولم أسمعْ بلابله تغنِّي
ولم يكُ للهوى عندي حديثٌ
فترويهِ دُموعُ العين عني
ولم أظفرْ بفاتنةٍ لعوبٍ
يخلِّدُ حسنَها آياتُ فنّي
ولو ظفرتْ بها نفسي لكانت
وسيلتَها إلى جنّاتِ عَدْن
وكانت منّةً للدهر عندي
مبرّأةً بغير أذىً ومَنِّ
على أنَّ المليحةَ إن أصابتْ
محبّاً تتخذْه عُبيدَ قِنِّ
وما أنا بالذي يسطيع صبرًا
على عنتِ القطيعة والتجنِّي
وهل يغترُّني غصنٌ رطيبٌ
سجيَّته التأوُّدُ والتثنّي
وكيف أبيعها قلبي عليمًا
بما في البيع من وَكْسٍ وغَبْن
وآمنُها على جسدي وروحي
لتهدمَ منهما ما عشتُ أبني
طُبعتُ على الوفاء فإن تغاضَى
حبيبٌ أو تلفّتَ لم يَجدْني
وصاحبتُ الرجالَ وصاحبوني
على الحاليْن من ثقةٍ وظن
أواصلهم على أملٍ وشكٍّ
وأهجرهم بقلب مُطمَئنِّ
فلم أبدأْ بعدوانٍ صديقًا
ولم أقلبْ له ظهرَ المجنّ
أكيل لصاحبي صاعًا بصاعٍ
وآبَى منه ما يأباه منِّي
وما فارقتُ من أحدٍ وعندي
له ما عِيبَ من حسدٍ وضغْن
وأغناني الذي أغنَى وأقْنى
ومن ذا غيرُه يُغْني ويُقْني
وذلك أنّ لي نفسًا عَزوفًا
كلفتُ بحبِّ ما قد كلَّفتْني
ترفَّعُ عن مُقارفة الدنايا
وتسمو فوق آفاق التظنّي
وقد عبَّدْتُها فتعبَّدَتْني
كأني شِدْتُها لتكونَ سجني