إلى كم تُسيل الدمعَ والدمعُ جامدُ
وتسأل عمّن في الفضا وتناشدُ
وما أنت تبغي في العقيق وحاجرٍ
وقد درسَتْ في القفر تلك المعاهد
ألم تر في بيروت ظبيًا تحبه
حوتهُ قصورٌ ما حوته الفدافد
وكم في حماها مِن ظباءٍ أوانسٍ
تخرُّ لها الآساد وهي سواجد
تلألأ شعري في محاسنها كما
تلألأ في أجيادهن القلائد
أحبكِ يا بيروت يا موطن الصفا
ففيك حياتي والمنى والمقاصد
وفيك رضعت الشعرَ والعلمَ والهدى
وما أنا للإحسان والفضل جاحد
فكم فيك من حسنٍ بديعٍ ونزهةٍ
تكامل فيها الصفو والعيش راغد
وميناك «مينا الحسنِ» لست مبالغًا
وكم خطرت فيه الحسانُ الخرائد
وكم فيك من صرحٍ تسامى إلى العلا
وروضِ علوم منه تُجنَى الفوائد
وكنتِ مقرَّ العلم من عهد قيصرٍ
تؤُم مغانيك العظامُ الأماجد
وكم فيك من مجدٍ قديمٍ وسؤددٍ
ألا فانظروا الآثار فهي شواهد
فهذي عروسُ الشام قد كملت بها
محاسنُ تزهو في الورى ومحامد
تجلت أمام البحر في خير موقعٍ
فراقَ له من حسنها ما يشاهد
يقبلها والشوقُ ملءُ فؤادهِ
ألست ترى أنفاسه تتصاعد
ويرجع من بعد اللقاء بحسرةٍ
فما ينثني حتى تراه يعاود
ومن حولها لبنان قد قام حارسًا
مخافة أن تسطو عليها الشدائد
يناطح أجناد السماء بِرَوْقِهِ
وقد رسخت في الترب منه القواعد
ويسمو إلى العليا وفي كبريائه
تزلَّفَ منه المشتري وعطارد
فيا جارة الرمل التي بجمالها
تغزَّل أربابُ النُّهي وتناشدوا
أقمتِ لدى البحر الكبير عزيزةً
فهل كان يدري أنه لك والد
ألا فاذكريه كلما هبتِ الصَّبا
وما انهلَّ غيثٌ فوق تربك جائد