سئمت الحياة وعفت الحضرْ
فرمت الرياض لأنفي الضجرْ
أناجي الغدير وأصغي إلى
حفيفِ النسيم وهمس الشجر
فتحنو عليَّ قدودُ الغصون
ويبسم لي من خباه الزهر
وينفحني الروض نفحَ الكريم
بأذكى الشذا معْ نسيم السحر
جلست وكان سميري القمر
فطال الجلوس وطاب السمر
أبث لديه هموم الفؤاد
وأشكو شقيقًا له قد هجر
فيرمقني طرفه مشفقًا
ويجري فأتبعه بالنظر
يفلُّ سناه جيوش الدجى
ويرجع عنها بتاج الظفر
إذا ما تخفَّى وراء الغيوم
غدا الكون مستوحشًا وا كفهر
ويكسو الطبيعة أسمى جمالٍ
فتزهو ابتهاجًا إذا ما سَفَر
فيا بدر هل أنت ترثي لصبٍ
براه البعاد وطول السهر
فليتك ترفعه في الفضاء
وليتك تصحبه في السفر
فتبعده عن جميع الأنام
وتنقذه من زمانٍ غدر
بُلينا بصحبة قومٍ لئامٍ
على الرغم منا وما من مفر
صبرنا عليهم زمانًا طويلاً
وقلنا رضينا بحكم القدر
تجول الأفاعي بأفواههم
فتوقعهم في شديد الخطر
تبث سمومًا وتدمي جسومًا
وتجعل كل صفاءٍ كدر
تَملَّكَهُمْ حسدٌ آكلٌ
أناخ بأحشائهم واستقر
فكل عظيمٍ لديهم مهانٌ
وذو الفضل ما بينهم محتقر
وكم فَخَر العُرْبُ أنَّ لهم
لسانًا فصيحًا يصوغ الدُّرر
وما آفةُ العرْب إلا لسانٌ
طويلٌ عريضٌ كثيرُ الهذر
فجعجعةٌ ليس تأتي بطحنٍ
وبرقٌ ورعدٌ وما من مطر
فهل قام من رجلٍ بينهم
قليلِ الكلام كثيرِ الفكر
فإن كانَ ميْتًا ففيما مضى
وإن كان حيّاً ففيما نذر
وما جرَّ ذاك الخصام الذي
سرى بيننا كالوبا وانتشر
فهل جرَّه غير عضوٍ صغير
عظيمِ الفساد كبيرِ الضرر
كلامٌ كلامٌ وماذا أفادَ
وصوتٌ وصوتٌ وماذا الأثر
لقد نبذتنا شعوب الزمانِ
وصرنا لديها كإحدى العبر
فيا أمةً قد بلاها الإلهُ
بطول اللسان وقصْر البصر
متى ترتعين بغير الفسادِ؟
متى تفلحين كباقي البشر؟