لا يمكنني أن أبقى طول حياتي
مسمارا مدقوقا في جسد الوطن..
وفي جسد اللغة
أو في جسد حبيبتي
إنني أنتمي إلى طبقة من الشعراء
يستحيل تصنيفهم
وإلى نوع من الخيول العربية
ليس لها مالك..
وإلى نوع من الطيور الجارحة
يستحيل تدجينها
وإلى نوع من الأشجار
لا تموت إلا وهي واقفة
وإلى فصيلة من الأرانب المتوحشة
لا تنام إلا في أحضان النساء!!
من رحم الحرية ولدت
وفي رحم الحرية سأدفن
هذه باختصار.. هي سيرتي الذاتية
لا يمكن لأي نظام
أن يلقي القبض على قصائدي
لأنها مدهونة بزيت الحرية!!
منذ أن نزلت من بطن أمي
وأنا أحترف التحريض
وأحرض اللغة على مفرداتها
والنص على كتابه
والشفة على كَرَزِهَا
والعيون على سوادها
والأساور على معاصمها
والأنوثة على أنوثتها
القصائد التي أكتبها..
لا تشبه أحدا
لا تشبه قصائد جرير
أو طرفة بن العبد
أو العباس بن الأحنف
أو عروة بن ورد
أو جميل بثينة
إنها تشبهني وحدي
بعيني الزرقاوين
وشعري المغطى بالثلوج
وأصابعي التي أحرقتها السجائر
ولغتي التي أخذتها عن عصافير
الشام...
كتابة قصيدة حب
في الوطن العربي
تشبه حكاية قميص من الحرير
لأجساد...
تعودت أن تلبس الخيش!!
كلما تغزلت بامرأة جميلة
وأهديتها زهرة ياسمين
جاء عمال البلدية في اليوم الثاني
فاقتلعوها..
وبنوا في مكانها سجنا للنساء
ما بوسع الشعر أن يفعل؟
إن العلم العربي
يحتاج إلى ملون شاعر..
لا أعتذر عن أية قصيدة نشرتها
فالشاعر يتجمل بأخطائه..
ويكررها..
كما يكرر البحر زرقته
والقمر بياضه
والوردة أريجا
والمرأة ماكياجها اليومي
لا أحي قصائدي
التي تلبس السترة الواقية من الرصاص
وتضع في جيبها بوليصة التأمين..
وتكون بردا.. وسلاما..
على من يقرأونها..
أحب قصائدي
التي تعصف.. وتفتك..
وترج طمأنينة الدراويش..
وتوصلني..
مرة إلى غرفة الإنعاش
ومرة إلى النيابة العامة
ومرة إلى حبل المشنقة
أنا لا أصنع لكم بشعري
كراسي هزازة..
من أجل قيلولتكم
إنني أصنع لكم وسائد
محشوة بالأعاصير..
ودبابيس القلق
وسكاكين الأسئلة!..
القصيدة...
ليست مضيفة طيران
مهمتها الترفيه عن المسافرين
ولكنها...
امرأة انتحارية..
تخطط لخطف الطائرة...
لكل امرأة جديدة...
أكتب قصيدة جديدة
ليس عندي ثياب جاهزة
لكسوة كل نساء القبيلة!!
إنني لم أرث حبيباتي
عن عمر بن أبي ربيعة
ولا عن سواه من الشعراء الغزليين..
فأنا أعجن نسائي بيدي..
كفطائر العسل
وأسبكهن في مختبري
كدنانير الفضة..
إنني في شؤون الحب
لا أومن باستعارة النساء من الآخرين..
ولا أقبل أن أعشق امرأة
تأتيني عن الهبة أو.. الوصية
أو الخلعة الأميرية..
وإنني في كل خياراتي الشعرية..
والعطفية
أرفض استعمال المستعمل!!.
ثمة رجال مثقفون..
عندما يجلسون مع المرأة..
يتصرفون كأميين..
ويتأتئون عل سرير الحب
كأنهم لا يعرفون القراءة
ولا الكتابة!!.
القصيدة..
التي لا تنزف عن أصابع قرائها
مصابة بفقر الدم..
منذ أن أصبح الوطن..
لا يأكل سوى الخوف..
ولا يتقيأ سوى الزجاج.. والمسامير..
توقفت في الشعر..
عن صناعة الشوكولاتة..
أعمالي الشعرية الكاملة
لم تكتمل..
ولن تكتمل أبدا..
طالما أن الأصابع لا تزال ترتعش
والقلب لا يزال مستنفرا
وأمطار الكحل لا تزال تنهمر..
والهاتف لا يزال يرن..
والبريد لا يزال يصل..
والنساء الجميلات..
لا يزلن في غرفة الانتظار!!.
بيني وبين الشعب العربي
ميثاق شرف
عمره خمسون عاما
كل المواثيق الأخرى
التي تحمل إمضاء أبي لهب..
أكلها اللهب!!.
يبقى الجمهور العربي
ثروتي القومية
ولو أنني غامرت بهذا الرصيد العظيم
لأعلنت محكمة الشعر إفلاسي..
وختمت قصائدي
بالشمع الأحمر...
لم أتناول العشاء أبدا..
على مائدة أي سلطان..
أو جنرال
أو أمير
أو وزير
إن حاستي السادسة كانت تنبئني
دائما..
أن العشاء مع هؤلاء
سوف يكون العشاء الأخير!!.