تخطَّ إلى المحتوى

إنسانة تمضي على استحياء

الكامل

٤٢ بيت

النسيب

إنسَانةٌ تمضِي على استِحيَاءِ

وتُواجهُ الدُنيا بكل نَقَاءِ

لولا السّكونُ لما سَمِعتَ حَدِيثَها

ولما عَرَفتَ فَصِيحَةَ الفُصحَاءِ

هي مُعجمٌ لكنَّها مِن زُهدِها

تَبدو كسَيّدةٍ مِن البُسطَاءِ

شَخَصِيةٌ! لكنها في عُرفِهمْ

قَرَويّةُ الألوانِ والأضَواءِ!

كم تَستَحي؟! يا للأسى لو أنّها

تَحكي مع الغُربَاءِ والدُخَلاءِ!

لو أنّها تَضَعُ الحِجابَ وتَرتَدي

شيئاً يليقُ بمَعشَرِ الشُّعرَاءِ!

لو أنَّ نَبرَتها تَزيدُ ظَرافَةً

وعُيونها تَرتَاحُ في الأجواءِ

لو أنَّ نَظرتَها، لو أنَّ بَسمتَها

لو أنَّ مَشيَتها، سَيلٌ مِن الآراءِ!

ماذا يُريدُ المُحدَثُونَ بِدينِهَا؟

النّاعقونَ بمَنطِقِ النُشطَاءِ!

خلوا سَبيلَ البنتِ! إنّي لا أرى

إلا جَمَالَ الكَونِ في الأرجَاءِ

أخلاقها والله أعظمَ ما بها

ورَقيق عِفَتها مِن الآلاءِ

إنّي أراها والنّواظرُ تحتَفي

والفَخرُ والإعزازُ في إصغَائي

وجمالها العربي يأسِرُ مُهجَتي

وجُنُوحها للصّمتِ في الضّوضَاءِ

وبديعُ فطنتها إذا ما أرسَلتْ

دُرراً مِن الأخبَارِ والأنبَاءِ

لو تنصتون لمنطقِ الحسناء ما

ضاعَ اللقاءُ بهيئةٍ وكِسَاءِ

الفكرُ أجملُ والنفوسُ عوالمٌ

وجَزالةُ الألفاظِ والإيحاءِ

قَرَويةٌ؟ أفلا تُفاخرُ أنها

مِن مَنبتِ العُظَمَاءِ والعُلمَاءِ؟

أ بَسيطَةٌ؟ ماذا يضِيرُ فإنها

مَرمُوقةُ الأخلاقِ والأصدَاءِ؟

قَمحِيةٌ ألوانُها مِن رَبِّها

نَبتَتْ بأرضِ القَمحِ في الخَضَراءِ

ولها عُيونُ الزَّهرِ في تلك الرُّبى

وعَرَاقةُ الأثوابِ والأسمَاءِ

وإذا مَشتْ فالطيرُ تَرقبُ خَطوها

والأرضُ تَرقِيهَا مِن الأعدَاءِ

قَرَويّة؟! يا ليتَ كل النّاس قد

كانوا مِن الأريَافِ والبَيداءِ

كانت سَجَايا الرّيفِ في أفعالهم

لا خُبثَ مِن شَبّوا على الغَلواءِ

كانوا مُلوكَ الذّوق والجُود الذي

كالبَحرِ لا يَخلو مِن الآلاءِ

كانوا أسودَ الحقِ والصِّدقِ الذي

يمضي كحدِّ السّيفِ في الهَيجاءِ

كانوا أعِفَاء النّفوسِ رُؤوسهم

فوقَ السّحابِ وفوق كُل هُراءِ

قرويةٌ! ما العيب فيها؟ يا تُرى

أن تقتدي بطَهَارةِ العذراءِ!

ألا تُقيمَ لأي ذِئبٍ وزنَهُ!

ألا تُصيخَ لمنطقِ الجُبناءِ!

وبأن تُفاخرَ أنها مِن مَوطنٍ

مازال رُغمَ الضَّعفِ في العَلياءِ

مازال رُغم البُؤس، رغم الفقر، رغ

م الجَهلِ، رغم الكلِ في سَراءِ!

مازالتِ الأخلاقُ فيهِ تِركةً

تَمضي مِن الآباء للأبنَاءِ

قرويةٌ، وأنا أشاهد سارحاً

لو أنها انتبهتْ إلى إطرائي

لو أنها فهمتْ حروفيَ كلَّها

ما عبَّرتْ عن خَيبةٍ ورَجاءِ

تلكَ العيونُ حَريّةٌ في سِحرها

أن تَرتَوي مِن عِزّتي وإبائي

أن تعتلي عند الحَديثِ قصيدَتي

وتُجابهَ العُذالَ بالإلقاءِ

وعلى جُفونِ الليل تلمعُ كلما

رَشَفَتْ من الأبياتِ بعضَ ثنائي

قرويةٌ سأظلُ أكتب أنها

رَقصَتْ على جُرحي على أهوائي

فوجدتني والله يعلم أنني

من غير دَمعٍ غارقٌ ببكائي

والذِّكرياتُ جميلةٌ لكنها

ترتدُّ في الأجفانِ كالأقذاءِ

ماذا أقول: وكلما أبصرتها

أبصرتُ أيامي وبعضَ شَقَائي؟

ورأيتُ أحلام الطُفولة مثلَها

ترتدُّ في الإفصاحِ والإخفاءِ

ورأيتُ ما لا تفهموهُ وإنني

سأظلُ في الأريافِ يا رفقائي!