وما
بينهما
غِيَابٌ رَاحَ يُنذِرُ بِالغِيَابِ
حُضُورٌ جَاءَ يُنبِئُ بِاغتِرَابِي
يَنَابِيعٌ تَفَجَّرُ في ضُلُوعِي
و مَا زَالَ اللَّظَى يَكوِي إهَابِي
صَحَارَى التِّيهِ تَشرَبُ مِن عُيُونِي
ومَا زِلتُ المُحَدِّقَ فِي السَّرَابِ
أَطِيرُ عَلَى جَنَاحٍ مِن يَقِينٍ
لأَسقُطَ فِي دَيَاجِيرِ ارتِيَابِ
ويَجنَحُ بِي خَيَالٌ، أنتِ فِيهِ
كَوَمضِ البَرقِ فِي عَينِ السَّحَابِ
عَلَى أَغصَانِكِ الخَضرَاءِ تَلهُو
فَرَاشَاتُ التَّمَرِّدِ والتَّصَابِي
وفِي جَنَّاتِكِ الفَيحَاءِ، يَتلُو
حَمَامُكِ مَا تَسَطَّرَ فِي كِتَابِي
أَنَا نِصفَانِ، نِصفٌ فِي هُدُوئِي
و نِصفٌ قَد تَوَارَى فِي عُبَابِي
أَنَا شَمسَانِ، شَمسٌ فِي جَبِينِي
و شَمسٌ قَد أَشَعَّت فِي ثِيَابِي
أَنَا مَطَرٌ، بِرَغمِ هَزِيمِ رَعدِي
بِهِ رَوَّيتُ أَزهَارَ الرَّوَابِي
أَنَا مَا كُنتُ ظِلاًّ، بَيدَ أنِّي
أُظَلِّلُ مَن تَعثَّرَ مِن صِحَابِي
أَحِنُّ ولَستُ أَحنِي رَأسَ شِعرِي
و أَحنُو مَا حَيِيِتُ عَلَى المُصَابِ
سَلِي عَنِّي إِذَا أُنسِيتِ قَدرِي
أَنَا الحَادِي، وغَيرِي فِي رِكَابِي
أُحِبُّكِ، لَم تَزَل بِدِمَايَ تَسرِي
و فِي عَينَيَّ يَفضَحُني شِهَابِي
أُحِبُّكِ، لا أُمَارِي فِي شُعُورِي
و مَا كُنتُ المُزَايِدَ والمُرَابِي
فَلاَ يَغرُرْكِ أَنِّي قَد تَنَاهَى
إِلَى عَيْنَيكِ حُبِّي وانتِسَابِي
ولا يَغرُرْكِ أَنَّكِ كُنتِ بَدراً
أَطَلَّ عَلَيَّ فِي لَيلِ اكتِئَابِ
فَإِن كُنتِ الأَمِيرَةَ فَوقَ عَرشِي
فَقَد شَيَّدتُ عَرشَكِ مِن شَبَابِي
وَهَبتُكِ مَا تَمَنَّى كُلُّ أُنثَى
و لَم أَحصُدْ سِوَى شَوكِ الغِيَابِ
مَنَحتُ لِقَلبِكِ الخَفَّاقِ نَبضِي
سَلِيهِ يُجِبْكِ يا ذَاتَ الحِجَابِ
سَلِي عَينَيكِ كَم كَفكَفتُ دَمعاً
و ثَغرَكِ كم تروَّى مِن رُضَابِي
سَلِي يُمنَاكِ كَم نَامَت بِكَفِّي
و خَوفَكِ كَم تَحَصَّنَ فِي هِضَابي
سَلِي اللَّيلَ الذِي نَهَشَ الأَمَانِي
بِمِخلَبِهِ، ومَزَّقَهَا بِنَابِ
يُجِبْكِ بِأَنَّنِي مَن كُنتُ أَقضِي
عَلَيهِ، بِلا سُيُوفٍ أو حِرابِ
فَيَهرُبُ مِثلَمَا الجَانِي طريداً
هُرُوبَ الوَحشِ مِن آسَادِ غَابِ
وكَانَت ضِحْكَتِي تَنسَابُ فِيهِ
إِلَى أُذُنَيكِ كَالخَمرِ المُذَابِ
وكُنتُ أُضِيءُ كُلَّ شُمُوعِ قَلبِي
لأَجلِكِ فِي ذَهَابٍ أو إِيَابِ
وكَم سَهِرَتْ عَلَيكِ عُيُونُ شِعرِي
و نِمتِ عَلَى السَّكِينَةِ فِي جَنَابِي
أَيَا وَطَناً يَتِيهُ النِّيلُ فِيِهِ
أُعَاتبُهُ فَيُصغِي للعِتَابِ
وأَعزِفُ عِندَهُ لَحناً حَزِيناً
فَيَسحَرُنِي بِأَلحَانٍ عِذابِ
وأُغرِقُ فيِهِ كُلَّ سِنينِ يَأسِي
و أَستَهدِيِه يُلهِمُنِي صَوَابِي
أغارَ النيلُ، أم ضلّت خطاهُ
و من كالنيلِ عوناً في المُصابِ؟
أَتُوصِدُ كُلَّ بَابٍ في عُيُونِي
و فِي قَلبِي أُوَارِبُ كُلَّ بَابِ؟
وتَترُكُنِي عَلَى وَلَهي وَحِيداً
أُفَتِّشُ فِي خَيَالِي عَن جَوَابِ