وَدِّعْ هَوَاكَ، فَقَدْ وَدَّعْتَ أَيَّاماً
حَفِيلَةً بِالمُنَى، تَخْضَلُّ أحْلامَا
تَحْكِي النِّطافَ العِذابَ اللاَّءِ أَيْسَرُهَا
تُولِيكَ فِي اليَوْمِ مَا يُغْنِيكَ أعْوامَا
يَا رُبَّ سَحرَةِ ليلٍ ظَلْتَ تَحْسَبُهَا
مِنَ الفَرَادِيسِ أضْوَاءَ وأنْغامَا
وَأَضْحِيَانِ غَداةٍ مَا ترُومُ لهُ
فَكّاً فَلَوْ دَامَ يَوْمٌ لِلْمُنَى، دَامَا
كِلاَكُما أَمَلٌ فِي نَفْس صَاحِبِهِ
مُحَقَّقٌ، قَدْ حَبَاهُ الدَّهْرُ إنْعَامَا
وَدِّعْ، وَقَلَّ لَكَ التَّوْدِيع -إنَّ لهُ
نَاراً تَزِيدُ على التَّذكارِ تَضْرامَا
شَرِبْتَ جَاماً، وَجَامٌ بَاتَ مُمْتَلئاً
فَقُمْ وَثَنِّ وافْرِغْ ذلكَ الجَاما
مَنْ يأخُذ الصَّفْوَ يأخُذْ بَعْدَهُ كَدَراً
ورُبَّ مَظْلُومِ قَوْمٍ عَادَ ظَلاَّمَا
فَنَلْ مِنَ العيْشِ ما تَنْدى يَداهُ بِهِ
ولا تُبَلْ! أتَجَلَّى الجَوُّ أمْ غَامَا
كانَ الهَوَى لَذة ما شَابَهَا ألَمٌ
فَعَادَ كُلُّ هَوًى بَرْحاً، وآلامَا
متَى أرَدْتَ الَّذِي تَهْواهُ جَدَّ لَهُ
نَقْضٌ، إذا ما عَقَدْتَ الوَجْدَ إبْرَامَا
وَدِّعْ هَوَاكَ وَدَاعَ الغَيْثِ مُجْدِبَةً
لَمَّا اسْتَهَلَّ لَهَا بِرّاً وإكْرامَا
فَقَابَلَتْهُ بِزَلْزالٍ وعاصِفةٍ
هَوْجَاءَ تَقْتَلِعُ الأقْدَامَ والهَامَا
وَغِيضَ في التُّرْبِ ماءُ ما أفادَ ثَرًى
ولا سَقَى وَرَقاً، أوْ فَضَّ أكْمَامَا
يَا طَالما كُنْتُمَا خِدْنَيْنِ، رَامَكُمَا
هَوًى، وشايَعْتُماهُ كَيْفَمَا رَامَا
رَأْدُ الضحَى دَافَ مِمَّا اشْتَرْتُما ضَرَباً
واللَّيْلُ سَامَ مِنَ الإمْتاعِ مَا سَامَا
والشُّهْبُ في الأُفْقِ العُلْوِيِّ ذاتُ خُطًى
وَئِيدَةً تَسْتَزِيدُ الحُبَّ إعظِامَا
كَذَاكُمَا، كُنْتُمَا ثُمَّ اسْتَزَلَّكُمَا
قَرْحٌ -إذا الْتَامَ قرْحُ الجِلْدِ- مَالْتَامَا
مُفَرَّق مِنْ هَوَى خِلَّيْنِ، ذَاكَ مَضَى
إلى الجَنُوبِ، وذاكَ اسْتَقْبَلَ الشَّامَا
لا مِنْ مَدًى طَالَ، أوْ فَيْفاءَ قدْ بَعُدَتْ
لكِنَّ شُؤْمَ اللَّيَالِيْ كانَ صَرَّامَا
مَا كانَ أبْعَدَها داراً وأقْربَهَا
فَيَا لإقدَامِ شَوْقٍ عادَ إحْجَامَا