تخطَّ إلى المحتوى

يا ليلة هي كانت ليلة العمر

غير معروف

٣٥ بيت

المتفرقات

يا ليلةً هي كانت ليلةَ العُمُرِ

بقصر شُبْرَى ونهر النيل والقمرِ

والجوُّ طلق المحيّا والصَّبا جمعتْ

لطفَ الأصيل لنا معْ رقة السَّحَر

حيث السماءُ بها الأفلاك سائرةٌ

كالفُلْكِ دائرةٌ في لجَّة النهَر

والبدر مكتملٌ فيها وقد نُظمتْ

من حوله نيِّراتُ الأنجم الزُّهُر

كغادةٍ من بنات الروم حِلَّتها

من لازَوردٍ عليها أنفَس الدُّرر

والنهر يجري لُجَيناً من سناه ومن

يد النسيم عليها أبدعُ الصور

والموج يُبدي فنون الرقص في مرحٍ

يجلو صدى النفسِ والأفكارِ والبصر

والماء صَبٌّ بأغصان الرُّبا كلِفٌ

لِلَثْم أقدامها يجري على قدر

وكلما خرَّ للشكوى تجود له

أكمامُها من نِثار النور بالبِدَر

مثل العرائس يجلو حسنَ بهجتها

مرُّ الصبا في بديع الوشي والحِبَر

تكاد تسلبُ لولا أن بلبلَها

راقٍ يعوِّذُها من آفة الحَوَر

فالشهب ساطعةٌ، والقُضب راكعةٌ

والطير ساجعةٌ، تشدو على الشجر

وللنسيم على الأغصان ولولةٌ

كأنما هو يتلو العشق في سُوَر

فصوته وهزارُ الروض حين شدا

قد وافقا نغمةَ الشادي على الوتر

فكان بالعود مع ذا كلِّه طربي

طوراً وطوراً بما يحلو من السمَر

ومن أحبَّ على لهْوي يساعدني

والدهر عبدي فلا أخشى من الغِيَر

وراحُه ولماه كلما اجتمعا

يحار لُبِّيَ بين السُّكْر والسَّكَر

وكيف أصحو ولي من شهْدِ ريقتِه

خمرٌ تألف بين الطِّيب والخَصَر

عجبت للثغر يرويني بكوثره

والخد يرمي لظاه القلبَ بالشرر

ومن جَنَى خدِّه وردي وفاكهتي

مما يحيّي به من يانع الثمر

يقول قمْ واقترِحْ ما شئت تلقَ كما

تهوى بلا مللٍ مني ولا ضجر

فيا لها كلماتٍ كلُّها تحفٌ

بحسن رقَّتها قد حيَّرت فِكَري

أشهى من البرءِ بعد السقم عنديَ من

بعد العنا والأسى أحلى من الظفر

بها خلعتُ عِذاري بل لبستُ بها

ثوبَ الخلاعة لم أركن إلى الحذر

وبتُّ أعثر في ذيل المجون كما

يهوى شبابي وبعتُ النسك للكبر

فالشمس راحي، وبدر التمِّ حاملُها

واللثم نُقلي، ومنديلي من الزَّهَر

وكلما جدَّ من أهوى لسفك دمي

جدّدتُ بالكأس في سفك الدم الهدر

مازال يشربُها صِرفاً وأشربها

ممزوجةً باللمى والغنج والحور

حتى توسَّد يُسراه وطوَّقني

يمينُه واتّكا سُكْراً على السُّرُر

وقد أدرتُ نطاقاً باليمين على

خصرٍ له من دقيق الوهم مختصر

وزال ما كان من خوفٍ ومن حذرٍ

ولا مراقب غيرُ الدَّلِّ والخَفَر

فيا لها ليلةً ما كان أطيبَها

عندي وما كان أحلى لذةَ السهر

جاد الزمانُ بها عفواً فسيَّرها

فيه الفريدةُ بل أعجوبة السِّيَر

أكرِمْ بها أنها جاءت على قدرٍ

بلا حسابٍ ولا وعدٍ لمنتظر

محتْ سروراً ذنوبَ الدهر أجمعَها

فما له بعدُ ذنبٌ غيرُ مغتفر