مصر نفديك شيوخاً وشبابْ
ونضحّي كل شيء تطلبينْ
«سعد» في حبكِ قد قاسى العذابْ
وهو ما زال على العهد أمينْ
زأرةٌ منه لها اهتز الوجودْ
أيقظَتْها ونمت في قلبها
قبلها كنا عن الحق رقود
وتنبهنا إلى الحق بها
وتعارفنا بأرواح الجدود
فتشبهنا بهم في حبها
وانطلقنا عن حمى مصر نذود
ونوفِّي قسطنا مما بها
بعد ما عشنا طويلاً بالوعود
وسقينا غصصًا من عذْبها
ونهضنا فاعتزمنا أن نسود
كل أرض حظها في شعبها
وطرَقْنا للمعالي كل باب
وعلى الحق لبثنا ساهرين
يا أبا الهول تحركْ، إنما
أنت رمزٌ لقديم الحكمةِ
من خلال الصخر ترنو جاثما
يا ترى ما سر تلك النظرة؟
تحرس النيل وتحمي الهرما
دائم الصمت رهيب الطلعة
قد تخيلناك روحاً قائما
في أبي الشعب، زعيم الأمة
ورأيناك خيالاً حائما
مرسلاً تدعو لتلك الوثبة
شادك الأجداد كي تحمي الحمى
كلما مُسَّت بريح الفتنة
أنت للماضي وللمجد كتاب
قَلَّ من يقرأه في الناظرين
رحمة الله على عصرٍ مضى
ظلمه أورثنا عصراً مجيدْ
وزمان حين ولى وانقضى
بُعثتْ مصر فتاةً من جديد
قام سعد بيننا مستنهضا
وخطيباً ناضج الرأي سديد
بعد ما بتنا على جمر الغضا
ورسفنا في قيودٍ وحديد
إن تنفسنا بنا ضاق الفضا
أو شكونا ظَنَّنا القوم عبيد
نقموا منه وقالوا حرَّضا
ثم ساقوه إلى المنفى بعيد
فتجلَّدْنا وإن كنا غضاب
وتحمَّلْنا أذاهم صابرين
في جنوب الهند عنا أبعدوه
وإلى المنفى مشى في صحبهِ
معشرٌ من خلصاءٍ أيدوه
حُبِّب المنفى لهم في قربه
كلهم مولاه سعدٌ وأبوه
ويرى صورته في قلبه
لو تراهم حين منهم أخذوه
كنت ترثي لهمُ في حبه
مرَّ بالقطر وعنا حجبوه
وهو محروسٌ بعيني ربه
حاضرٌ ما بيننا مهما نفوه
وتناسوا فرحة الشعب به
لو عرفنا خاضت الناس العباب
وأعدناه وعدنا سالمين
شاءت القوة تبدي بأسها
فتربصنا بحزمٍ وثباتْ
وتركناها تعاني يأسها
وصبرنا لامتهان وافتيات