شَطَّتْ بجارَتِكَ النَّوَى فتَحَمَّلِ
ونأَتْكَ بَعْدَ مَوَدَّةٍ وتَدَلُّلِ
ولَئِنْ فَعَلْتِ لقد عَلَتْني كَبْرَةٌ
وأظَلْتُ صَرْمَكِ فاهجريني أوْ صِلِي
وأسيلةِ الخَدَّيْنِ سَاجٍ طَرْفُها
بَيْضاءَ مونِقَةٍ لِعَيْنِ المُجْتلي
خَوْدٌ من اللّائي يَمُسْنَ تأَوُّدًا
مَشْيَ المِيَاهِ على الكَثِيبِ الأَهْيَلِ
لاقَيْتُ في غَرْبِ الشّبابِ فلم يَكُنْ
قلبي لها غَرَضًا ولم استَقْتِلِ
وأنا امرؤٌ مِنِّي العَفَافُ ولم أكُنْ
دَنِسَ الثّيابِ ولا مُريبَ المَدْخَلِ
أَفَلَا تَنَاسَاها وَتَتْرُكُ ذِكْرَها
إذْ حَمَّلَتْكَ أَِخال مَا لَمْ تَحْمِلِ
بعُذافِرٍ يُشري الجديلَ كأَنَّهُ
عَيْرٌ تَصَيَّفَ في نحائِصَ ذُبَّلِ
شُزَبٌ ذَوابِلُ يتّقينَ لبَانَهُ
وجبينَهُ بسنابكٍ كالجَنْدَلِ
أَرِنٌ يَعَضُّ بكاذِهِنَّ كأَنَّهُ
قِدْحٌ يظلُّ به المُنَاضِلُ يَغْتَلِي
بَيْنَ السُّمَيَّةِ والسّنان يجنُّها
مِنْهُ بكلِّ حَجَاجِ روضٍ مُبْقِلِ
حتى إذا رَمَتِ الهواجِرُ في الثّرى
والنَّبْتُ بعد بلولَةٍ وتَرَبُّلِ
ولَبسنَ لَوْنًا بعدَ آخَرَ وانجَلَتْ
عنهُنَّ هِبْرِيَةُ الشّياه المُنْسِلِ
وشَربْنَ كُلَّ بقيَّةٍ صَادَفْنَها
فِي الْأَرْضِ مِن مَطَرِ السِّمَاكِ الأعْزَلِ
رَاحَتْ وَرَاحَ مِنَ الفَلاةِ فأصبحا
بمجَامِعِ التّلعَاتِ فَوْقَ الضُّلْضلِ
فَظَلَلْنَ مِنْ وادِي الذُّبابِ بشُعْبَةٍ
أو بالأخيرِمِ قارِباتِ المنْهَلِ
فوَرَدْنَهُ ونهودُهُنَّ نواشزٌ
وعيونُهُنَّ سواهرٌ لم تَغْفَلِ
حَتّى إذا اخْتَلَطَ الظَّلامُ وَرَدْنَهُ
وَلَقَدْ بَكَيْنَ بِهَيْبَةٍ وَتَجَفُّلِ
فَأَتَيْنَ مشترفًا يمُدُّ عَنَانَهُ
ويَدُ الغلامِ بطَعْنةٍ في المِسْحلِ
مَحْصَ الشّوى ما مِنْ يديه يخُونُهُ
عَظْمُ الشّظاةِ ولا انتشارُ الأَبْجَلِ
وترى لغَرِّ نساهُ غَيْبًا غامِضًا
قَلِقُ الحصيلةِ من فُويقِ المِفْصَلِ
فالكَعْبُ أصْمَعُ والقطاةُ يزينُها
هادٍ له قَرْوًا شديدَ الموصلِ
فَرَمَى بِهِ أدْبَارَهُنَّ غُلامُنا
لمّا اسْتَتَبَّ به ولم يَسْتَدْخِلِ
شُمْسٌ جوانحُ يعتَدينَ وقد دنا
يَهْوِي بفارسِهِ هَويّ الأجدلِ
يغتالهنّ إذا السّنَابكُ أسْهَلَتْ
وإذا عَلَوْنَ حَزُونَةً لم يَفْشلِ
---------الذين غدوا
منهنَّ ذَلْق سِنَانِهِ المترمّلِ
حسنًا طَريًّا يشتفون بطَعْمِهِ
وقتارِهِ لم يسبِقوهُ بمأكلِ
فبنى لنا ضلًّا وظَلَّ لنا رنا
لهبٌ أُعينَ بحاطبٍ مُسْتَعْجِلِ
طَوْرًا يطفّيه الشّتاءُ وتارةً
يَعْلُو سَنَاهُ هشيمُ شَيْخٍ مشعلِ
فهَلَ انتَ منصرفٌ فتنظرُ ما الّذي
أبقى الحوادثُ من رسومِ المنزِلِ
دارٌ بإحدى الرِّجْلَتَيْنِ كأنَّها
قد عُفِّيَتْ حِجَجًا ولمّا تُحْلَلِ
وكأنَّ سُهْكَ المُعْصِراتِ كَسَوْنَها
تُرْبَ الفَدافِدِ واليفاعِ بمُنْخُلِ
لَعِبَتْ بضاحيها الرِّياحُ فأَصْبَحَتْ
لأيًا تأَمَّلَها شِفا المتأملِ
وكذاك يعْلُو الدّهرُ كلَّ محلّةٍ
حتّى تصيرَ كأنّها لم تُنْزَلِ
لا يومَ إلّا سوفَ يُورثُهُ غَدٌ
والعامُ تارِكُهُ لآخرَ مُقْبلِ
فسُقِيتِ من دارٍ وإن لمْ تَسْمَعي
أصواتَنَا صَوْبَ الرّبيعِ المُسْبَلِ
قَدْ كَانَ أهلُكِ مَرَّةً لكِ زينةً
فاسْتُبْدِلُوا بَدَلًا ولم تَسْتَبْدِلِي
فابْكي إذا بكتِ المنازِلُ أهْلَها
مَعْذورةً وظَلَمْتِ إنْ لم تَفْعَلي
أهلًا كرامًا مَنْ يَحُلَّكِ مثلُهم
في ذا الزّمانِ ولا الزّمانِ المُقْبِلِ
تركوا الأخاديدَ الّتي صَرَفُوا بها
عن فرشهم قَضَضَ التّلاعِ المُسْبِلِ
ورَمَادُ نارٍ قد تهيَّأ للبلى
فسوادُ شامِتِهِ كمتنِ الخَرْدَلِ
بعدَ السّوام وبعدَ أَبْنِيَةٍ بها
لا عَزّ مِعْطَاء الجزيلِ مُسَأَّلِ
ترك الفواحشَ مُذْ تَرَعْرَعَ يافِعًا
ونما إلى الحَسَبِ الرّفيعِ الأَفضَلِ
مِنْ مَنْصَبِ العُرْبِ الّذي ما فَوْقَهُ
للنّاسِ من شَرَفٍ ولا مُتَمَهَّلِ
ولرُبَّ مغتبطٍ كريمٍ قَدْ غَدا
من عندِهِ بهجًا بِنَفْخَةِ مُجْزِلِ
وغريبِ قومٍ أَسلموه لما بِهِ
ومتى تراه كالخليعِ المُهْمَلِ
لم يلتفت أحدٌ إليه ولم يَجِدْ
إلّا نَدَاكَ فكنتَ خَيْرَ معوّلِ
وعصابةٍ ... نساؤهم
عرض الطّريق مواشيًا بالأرجلِ
فأصابهم بجوائزٍ لم تمطلِ
...إذا غَدا
أو رَاحَ يومَ جماعةٍ في مَحْفَلِ
كالبدْرِ أورثه الغمامُ ظلالَهُ
طَورا وطَورًا يستنِيرُ فينجلي
يُطري رجالٌ في الخلاء نفوسَهم
وإذا رأيتهم معًا لم تعدلِ
وإذا رأيتَ جماعةً هو فيهُمُ
بَيَّنْتَ سؤدَدَهُ وإنْ لم تُسْأَلِ
ألفى أباه وجَدّه وأباهما
مروان في الشّرف الرفيعِ الأطولِ
نطفاء كانوا للبريّة عصمةً
فأطاقَ آخرهم فَعال الأوَّلِ
أنتَ ابنهم بُنِيَتْ عليكَ بيوتُهُم
في قاهِرٍ لذوي الضَّغائن مُعْتَلِ
قرْمٌ أغرُّ ترى الأعزّةَ عِنْدَهُ
متواضعينَ عظيمُهُم كالأَصْبَلِ
مِنْ غَيْرِ بَادِرَةٍ تُحَمْهِمُهُمْ بِهَا
إلّا مَهَابَةَ ... مُتفضّلِ
بالحقِّ قامَ فما يُقَصِّرُ سَمْعُهُ
عن صوتِ مظلومٍ ولا مُتَذَلِّلِ
فجزيت أَفضَلَ ما عَمِلْت مُضاعَفًا
وتَمَلَّ حلوَ العيشِ غَيْرَ مُمَلَّلِ