أيُّ الخطوب عَرى فدمعك ساجمُ
والليل ألْيَلُ والديارُ مآتمُ
رزءٌ ألمّ فكلّ قلبٍ جازعٌ
وأسىً أناخ فكل شعبٍ غارم
ما للكنانة لا تطول بأروعٍ
إلا وطاح به الردى المتفاقم
هل للمنيّة وهْي تنفُثُ سمّها
في خيرة النبلاء قلبٌ راحم
هل لم تنازعها العواطف عندما
رأتِ الشباب الغضّ وهو يقاوم
مدّت إليه يدُ العفاء فراعَها
عند الكفاح فتُوّةٌ وعزائم
حتى إذا احتدم النضالُ وآدها
عجزتْ فعاونها القضاءُ الداهم
والجسمُ إن حُمَّ القضاءُ فإنما
تذوي خليّاتٌ به ومعالم
هل ينفع الجاهُ العريضُ لدى الردى
أم يعصم الملِكَ المتوَّجَ عاصم
قل للذي رِيعت لمأتمه العلا
وانهدّ ركنٌ في الكنانة قائم
واغبرَّتِ الآفاقُ بعد رحيله
فالجوُّ من هول الفجيعة قاتم
إني لأذكر أربعين عشيّةً
مرّت عليك وأنت فيها نائم
فعجبت كيف ينام عن أوطانه
من كان للأوطان نِعمَ الصارم
وعجبت كيف هوى الخميسُ عرمرمًا
وعجبت كيف خبا النُّهى المتلاطم
وذكرتُ فيما قد ذكرتُ مواقفًا
لك ليس يُيليها الزمان الهادم
في حب مصرَ وفي هواها موقفٌ
لولاه لم تُرفع لمصرَ قوائم
في بطن «أبشانٍ» وفي أرجائها
سِيم الهوانَ أماجدٌ ودعائم
وقَف العميدُ كأنما هو قَيصرٌ
وكأنما الشعب النبيلُ سَوَائِم
وكأنه ملكُ البلاد وربُّها
وكأن دار الفاتحين مغانم
عثر الوزيرُ فقال ما لم نَرضه
فغضبتَ فارتاح المليك القائم
دوَّت لغضبتك البلادُ وأُعجبت
بك مصرُ مهتاجٌ بها ومُسالم
أرضَيْتَ قومك والمليكَ وهكذا
يحمي مواطنَه الشبابُ الحازم
وتناوبتْها النائباتُ فَداؤها
مستفحلٌ والبُرء كابٍ واجم
وأبت طباعُ الظلم إلا غارةً
تدع الديار وهنَّ بعدُ مآتم
وتناول التحقيق طورًا شامخًا
لا تعتريه على العداة سخائم
صرخ ابن أحمدَ فيهمُ أن أسجحوا
فالحيُّ ليس به غويٌّ آثم
ما في نواحينا ولا في قومنا
إلا السماحةُ والوفاء الدائم
لا نعرف الأحقاد إلاَّ ريثما
تأتي على الأحقاد وهْي حوائم
هذي خلائقنا وتلك طباعنا
فضلٌ يسيل على الورى ومكارم
فتبيّنَ الحق الصُّراحُ وطالما
أخفى طلائعَه القويّ الغاشم
ولئن نسيتُ فلست أنسى بأسه
والمستبدّ على الردى يتفاهم
وقد اصطفاه الوفدُ من أعوانه
فإذا به الأملُ الكبيرُ الباسم
وإذا به العلمُ الغزير تدفّقتْ
من آيِه سُمرُ القنا وصوارم
في الله أبحاثٌ تراءى نورُها
ضاق العدوُّ بها وضجَّ العالم
أخذت عليه سبيلَه فتكشّفت
للناس من فعل العتاة مَظالم
فتراجع الخصم العنيد وهالَه
أن الأباة الذائدين ضراغم
كم من قويٍّ لا يُرام لبطشه
عند النقاش المستكينُ الراغم
والظالمون وإن عَدَوْا أطوارَهم
فاللهُ فوقهمُ القويّ الحاكم
أمحمدٌ إني بفضلك معجبٌ
وبذكرك الفيّاض صبرٌ هائم
فلئن طواك الموت في شرخ الصِّبا
ونأت بك الأقدار وهي طلاسِم
فلأُقسمنَّ لأنت فينا خالدٌ
ذكراك عاطرةٌ وعِرضك سالم
ولأقسمنّ لأنت أكرم من عفا
عمَّن أساء وأنت نِعمَ الكاظم
فاسمعْ رثائي فيك جَزْلاً رائعاً
فهو الحياةَ عليَّ حتمٌ لازم
لِترى الأعاربَ كيف كنت أخًا لها
ولِتعلم الخُلُقَ النبيلَ أعاجم
أمّا عشيرتك التي خلّفتَها
حيرى يغالبها الأسى ويهاجم
فلسوف لا تسطيع ردّ نزوعِها
للمكرمات عواصفٌ وسمائم
ولسوف تبلغ ما بلغتَ من العلا
وتصُدُّ تيّارَ العدا وتُصادم
والدارُ إن بُنيتْ على أسس التقى
راحت تداعبُها المنى وتُنادم
فلْتبقَ مرْثاة العفاة يحوطها
رغمَ الحوادث مجدُها ويُلازم
ولْتبقَ رافعةَ اللواء تزينه
عند اللقاء سواعدٌ ومعاصم
ولْتهنَ بالحور الحسان وجنةٍ
فيها لمن خاف الإلهَ مَناعم