تخطَّ إلى المحتوى

شدي أوتار جراحك ياريح

غير معروف

٨٧ بيت

الرثاء

شدّي أوتارَ جراحكِ ياريحُ

ونوحي في بكواتِ الليلِ

بيأسٍ ومراره !

شدّي أوتارَ جراحكِ يا ريحْ!

فاليومَ تصيحُ بصوتِ أساكِ المسلوبِ

قلوبُ الناسِ الظمآى

ويلوذُ بترجيعكِ ألفُ جريحْ !

واليومَ تئنُّ كمنجاتُ الضجرِ السوداءِ

على جثمانِ الغربةِ

ناعيةً سنةَ الحزنِ المحتضره ..

ويغورُ القمرُ المرهقُ

في أعماقِ ضريحْ !

شدّي أوتارَ جراحكِ يا ريحْ !

وعلى تذرافِ العبراتِ انتحبي

كنواعيرِ قرانا المجروحةِ

شجواً وأنينا !

شدّي أوتارَ الحسراتِ

وغنّي باكيةً في الدارِ على إيقاعِ ( بكاوينا) !

كلُّ العالمِ يبكي يا أمَّ الأعشاشِ الحلوةِ

كلُّ العالمِ يبكي فينا !

لا إيقاعُ أغانيكِ المتعبُ

يغسلُ بالدمعِ تجاويفَ العينِ العطشى

أو ترجيعُكِ ذو الصوتِ المبحوحِ

يعزّي أيتامَ القلبِ

ولا قمرُ المغربِ يُغرقُ بالإشراقِ أماسينا .

كمْ كانَ حزينا

أن تصعدَ أصواتٌ مؤلمةٌ من مقبرةِ الوادي

وتحلّقَ تحتَ سماءِ الحسرةِ

أصواتُ ( نعاوينا ) !

كمْ كانَ حزينا

أن نتأمّلَ تحتَ القمرِ الغاربِ

صورَ الأصحابِ الرحّلِ

والأفكارَ الليليّةَ وهي تهاجرُ من شبّاكِ ليالينا !

كم كانَ حزينا !

احترقت كلُّ الغيتاراتِ على أنغامِ

عزائكَ يا ليلُ

وما سكنتْ بعدُ كمنجاتُ الغربةِ عن تجريحِ

كمنجاتِ بواكينا !

كم كانَ حزينا !

أن يصرخَ مجروحٌ صرخةَ يأسٍ

ويجاوبهُ في جنباتِ الليلِ جريحْ !

وتصيحُ بصحراءِ الوحشةِ روحٌ باكيةٌ :

رُحْمَاكِ يا ريحْ !

رحماكِ حين تفيضُ بكائيّاتٌ موجعةٌ

في ليلاتِ الحزنِ المهدورِ

وتنتصبُ الفزّاعاتُ بهيئاتٍ مفزعةٍ

لتدقَّ أياديها الصلبةُ

أعناقَ أغانينا !

رُحْمَاكِ ...

حين يشرّعُ موتُ الشاعرِ

تحتَ سماءٍ موحشةِ الغيمِ

جناحيهِ

ويسقطُ في عرضِ البحرِ

سقوطَ الصرخةِ في أعماقِ ضريحْ

رُحْمَاكِ يا ريحْ !

نحنُ بكينا عندَ مغيبِ الشمسِ

فراقَ أعزّاءِ الناسِ

ولكن حينَ نفارقُ أنفسنا

في الليلِ الموحشِ من يبكينا ؟

رحلَ الناسُ وراءَ رحيلِ الناسِ

وظلّتْ كخرائبَ خاليةٍ في الأرضِ

مأوينا !

فجلستُ وحيداً أبكي عندَ مطالعَ هذا الليلِ الضائعِ

لا الراقدُ في بئرِ الدارِ المهجورةِ

يسمعني الآنَ

ولا الحجرُ الواقفُ في هيئةِ نُسْكٍ راهبةٍ

يقرأُ في كتبِ الصحراءِ قفاره .

كُلُّ الوحشةِ أنَّ القلبَ يموتُ وحيداً

كالغصّةِ فوق جبالِ المغربِ

والطرقاتُ الجبليّةُ من دونِ مصابيحْ !

كلُّ الوحشةِ أنَّ الكلماتِ المكتوبة بالعبراتِ

تسيلُ على صفحاتِ الحزنِ أسىً وخساره !

شدّي أوتاركِ وابكي بجميعِ جراحكِ يا ريحْ !

فاليومَ ستشربكِ الأفواهُ الظمآى

من إبريقِ الدمعِ

وتلعقُ دمعكِ ألسنةُ الندمِ العطشى

وشفاهُ المزمارِ المترعِ بالدمْ !

واليومَ يخيّمُ ظلُّ المأساةِ على أرواحِ المحتضرينَ

وينهضُ من أعماقِ العزلةِ عشرونَ عدمْ .

واليومَ تهزُّ الأمُّ الثكلى

بيدِ الرحمةِ سبعةَ أطفالٍ

يلتفّونَ بقمصانِ الليلِ

وسبعَ مراجيحْ...

ويغنّي شعراءُ العالمِ بقلوبٍ داميةٍ

ونفوسٍ شبهَ محطّمةٍ :

شدّي أوتارَ جراحكِ

وابكي كلَّ بكائكِ يا ريحْ!