هو الرزق لا يأتي بجدٍّ لطالبِ
ولا باحتيالٍ أو بطول التجاربِ
ولكنَّ بالمقسوم يأتي ومَنْ غدا
بتدبيره مُغرًى فأول خائب
ترى المرء يسعى والبوارُ بسعيه
منوطٌ ويأتيه القضا بالتجارب
ويبدو له الرأيُ الذي في بُدوِّه
صلاحٌ وفي عقباه شرُّ المصائب
تيمَّمْتُ أرضَ الهند أبغي تجارةً
وأرتاد إنجاحَ الأماني الخوالب
وخلَّفتُ أصحابًا وأهلاً ببلدةٍ
سقاها من الوسميِّ صوبُ السواكب
هي البصرةُ الفيحاءُ لا زال ربعُها
خصيبًا وأهلوها بأعلى المراتب
فلما علوتُ اليمَّ في الفُلْك وارتمت
تسير بنا في لجّةٍ كالغياهب
أحاطت بنا الأمواجُ من كل وجهةٍ
وكشَّرْنَ عن أنياب أسودَ سالب
وأقبل ريحٌ صرصرٌ ثم قاصفٌ
ترى البرقَ في أرجائه كالقواضب
ومُزْنٌ ثخانٌ كالجداول ماؤها
ورعدٌ مهيبٌ ضاربٌ أيُّ ضارب
فلما رأينا ما رأينا تطايرتْ
قلوبٌ لنا نحو المليك المراقب
نعجُّ إلى المولى بإنجا نفوسِنا
ونسأله كشفَ الملمّ المواثب
فلم يك إلا كالفواق إذا بنا
ومركبُنا مثلُ النجوم الغوارب
فأمسكتُ لوحًا طافيًا فركبتُه
وصحبيَ صرعى بين طافٍ وراسب
أقمت ثلاثًا مع ثلاثٍ بلجّةٍ
تسير بيَ الأمواج في كل جانب
فأنجانَي الرحمنُ من كل شدّةٍ
تجرّعتُها واللهُ مولى الرغائب
نجوتُ وقد بلّ المراديُّ سيفَه
من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
فلله حمدٌ دائمٌ ما تبسّمتْ
ثغورُ الأحبّا عند لقيا الحبائب