أتعرفُ أدهى أو أمرَّ من الهجْرِ
ومن غيبةِ المحبوبِ من دونما عُذرِ
وأقتلَ لِلَّهفانِ من وعدِ كاذبٍ
وقد كانَ وعدًا يبعثُ الميتَ من قبرِ
فباتَ بها ليلًا تثاقلَ للنوى
فأوّلُهُ لو قيسَ أطولُ من عمري
دعاني سناها فاستجبتُ كأنّني
أُساقُ إلى الجنّاتِ في موقفِ الحشرِ
ولكنّها نارٌ جزيتُ بلفْحِها
وإنضاجِها قلبًا وذنبي الهوى العذري
تلعّبُ بي بيضاءُ يُطوى لها المدى
فأبعدُ ما ترجوهُ أقربُ من شبرِ
تذلُّ مُناها واستبدَّ بيَ الجوى
ففي العزِّ ممساها وممسايَ في أسْرِ
وقد يدركُ النوّامُ ملكًا ولا أرى
إليها خلوصًا أو سبيلًا إلى الخدرِ
كأنّ طلابَ السرِّ منها خرافةٌ
كما يرتجي محْوَ الذنوبِ أخو الكفرِ
إذا ما تلاقينا بنينا لعفّةٍ
جدارًا من التقوى تزيّنَ بالطهرِ
فلم نجترح إلا الحديثَ الذي سرى
فآبت به نشوى الرؤوسِ بِلا خمرِ
ودونَ وصالِ الريمِ أسْدٌ لباسهم
حديدٌ يدلّونَ الغشومَ إلى القبرِ
كأنْ فُطرتْ تلكَ القنا في أكفِّهم
لطول التزامِ الكفّ حملَ القنا السمرِ
بأمثالِهم يُحمى الذمارُ وعندهم
سلاهبُ عزّ في مجالِ العلا تجري
إذا امْتُحنَ الأقوامُ لا قومَ غيرهم
فلم يطلبوا غيرَ الشهادةِ والنصرِ
أبى الله إخوانًا لهم خوضَ حربِهم
وما سألوهم دفْعَ حادثةٍ نكرِ
وليسَ اعتذارُ القوم عن غزواتِهم
بعارٍ فلا لومٌ على العبدِ من حرِّ
يُلامُ الذي ضجّتْ منِ الفخرِ دارُهُ
ولمْ يأتِنا يومَ التفاخرِ بالمهرِ
كذلكَ فخرُ العرْبِ في كلِّ مجلسٍ
فيا لكَ من فخرٍ ويا لكَ من عهرِ
كجاريةٍ جفَّ الحياءُ بوجْهِها
تكسّبُ من بذلٍ وتزهو على البكرِ
وتدري جميعُ العالمينَ بأنّها
بحلبِ نطافٍ شرّدتْ جحفلَ الفقرِ