غَجَرٌ.. وقافِلَةٌ.. ونَهرُ قَصيدَةٍ، وحَفيفُ ريحِ
وغَدٌ سَرابِيٌّ، ولَيلٌ خافِتٌ، ودَمُ المسيحِ
هِيَ صورَةٌ أُخرى تَبُثُّ سِماتِها في كُلِّ روحِ
لا تَبحَثوا عَنّي إِذا ما ذُبتُ في زَبَدِ الوُضوحِ
أَنا عابِرٌ في الماءِ، شَأني شَأنُ ما في الماءِ مِنّي
الحُزنُ لي، وأَنا لِحُزنِ الأَنبِياءِ نَذَرتُ حُزني!
النِّفَّرِيُّ يَقولُ لي: قِف كَي تَرى مَعنايَ عَنّي
مُنذُ اتِّساعِ رُؤايَ حَتّى ماوَرائِيَ، لَم أَقُلني
صَوتي انبِثاقُ الوَردِ مِن شُبّاكِ غُرفَتِيَ الصَّغيرَةْ
سَأطلُّ مِن بَتَلاتِهِ والشَّوكِ؛ كَي أَجِدَ البَصيرَةْ
سَأُفَسِّرُ الأَحلامَ كَيفَ أَرى نِهايَتَها الكَبيرَةْ
مَن عَلَّمَ الصَّمتَ البَلاغَةَ كانَ سَكتَتَهُ الأَخيرَةْ!
مِن غُربَةِ النِّيلَينِ فِضتُ عَلى ضِفافِ الجُرحِ دَمعا
أَوَكُلَّما عَادَ النَّحيبُ إِلى الضُّلوعِ... نَقَصتُ ضِلعا؟!
وَطَني جُفونُ أَرامِلِ الحنّاءِ وَهْيَ تَنِزُّ ضَرعا
طوبى لَهُنَّ، إِذا وَرِثنَ مِنَ الغِيابِ أَباً لِجَوعى
يا دَمعَةَ الرُّمّانِ إِذ تَنثالُ مِن زَغَبِ المنافي
أَنا مُذ عَصَرتُ دَمي عَثَرتُ عَلَيكِ في رَمَدِ اختِلافي
رَمَدٌ رَبيعِيٌّ، يُقَطَّرُ مِن عَناقيدِ السُّلافِ
ومِنَ العَذابَينِ اشتَهَيتُكِ خَمرَةً لِفَمِ القَوافي
وَتَرانِ في صَدرِ الكَمَنجَةِ عَلَّمانِيَ أَن أُشَدّا
وأُمَدَّ في سَطرِ العَذابِ عَلى صِراطِ الحَرفِ مَدّا
مَن يَستَرِدُّ الصَّوتَ في بَلَدِ الفَراغِ إِنِ استَبَدّا؟
ما لا يُطاقُ مِنَ التَّرادُفِ قالَ لي: كُن فيكَ ضِدّا!
النّارُ ناصِيَتي، فَكَيفَ أُجَرُّ مِن لَهَبِ العُيونِ؟!
مَن أَطفَؤوا لُغَةً بِشَمعِ الرّاحِلينَ وأَشعَلوني؟
يا ثَورَةَ الملحِ الطَّرِيِّ إِذا تَعَلَّقَ في الجفونِ
كوني احتِراقِيَ إِن بُعِثتُ مِنَ الرُّؤى... أَو لا تَكوني
قَمَرٌ تُدَوزِنُهُ مَرايا لَيلِهِ بِحَليبِ قَلبي
ويَدٌ تُشيرُ إِلى البَياضِ إِذا هَمَستُ: أَنا ابنُ ذَنبي
مُذ فِيَّ غَرَّدَ أَلفُ سِربٍ، خُنتُني وتَرَكتُ سِربي!
هُم أَوقَدوا حَطَبَ السُّؤالِ، وفي الجَوابِ رَأَيتُ صَلبي!
مَن أَخطَؤوا عَدَّ الأَصابِعِ، أَتقَنوا ضَربَ الرِّقابِ
مَن عَلَّموا قَتلَ الخَيالِ، تَعَلَّموا فَنَّ الخِطابِ
هُم ذاتُهُم، لَم يَعرِفوا فَرقَ (القَرارِ) عَنِ (الجَوابِ)
خُلِقوا لِحَنجَرَةِ الرَّتابَةِ حَبلَ صَوتٍ مِن ضَبابِ!
دَقّوا مَساميرَ المسافَةِ فِيَّ، فَانكَسَرَت جِهاتُ
ماذا جَنَيتُ مِنَ الحَياةِ، وما جَنَت مِنّي الحَياةُ؟
خَمساً وعِشرينَ اخضَرَرتُ بِها وماتَ بِيَ النَّباتُ
ويَبِستُ في وَرَقِ الكِتابَةِ؛ حَيثُ يَجمَعُني الشَّتاتُ
أَنا سُلَّمُ الكَلِماتِ،، بَينَ قِيامَتَينِ فَتَحتُ قَبرا
كَي يَصعَدَ المعنى على أَكتافِيَ السَّمراءِ حُرّا
الغارِقونَ بِشِبرِ ضَوءٍ.. لَم يُصَلّوا فيهِ سَطرا!
ما أَدرَكوا عَجُزاً سَما، إِلّا دَنَوتُ إِلَيهِ صَدرا!
يا لَوعَةَ التَّنهيدِ، والرِّئَتانِ تَجتَرِحانِ نايا
مَن جَرَّحَ الأَنفاسَ كَي يَجِدَ الهَواءُ أَباً سِوايا؟!
بَينَ التَّنَفُّسِ والتَّنَفُّسِ، كُنتُ أَرقبُ مُنتَهايا
والوَقتُ يَمسَحُ مِن خَلايايَ الجَديدَةِ ماعَدايا
عَينايَ تَختَلِفانِ فيما تَلمَحانِ، كَأَيِّ صُدفَةْ
قَبَسُ الحَقيقةِ يَحرِقُ الدُّنيا ولَيسَ يُذيبُ نُدفَةْ
في الطّابِقِ الأَرضِيِّ أَسكُنُ، لَيسَ ثَمَّ هُناكَ شُرفَةْ
وأَنا التَّجَرُّدُ مِن مُكابَدَةِ الحَقيقَةِ؛ فَهْيَ طُرفَةْ!
نِسبِيَّتي أَنّي مَنَحتُ الواقِعِيَّ فَمَ المجازِ
أَنّي رَشفتُ البَحرَ مِن فِنجانِ ساحِلِهِ الموازي
أَنّي اختَزَلتُ مِنَ الجِناسِ ونَقصِهِ صِفَةَ النَّشازِ
أَنّي عَلى خَطِّ الحِيادِ تَرَكتُ بوصَلَةَ انحِيازي
ما أَكرَمَ الدُّنيا، تَجودُ عَلَيَّ بِالكُحلِ الشَّهِيِّ
لَو ضَمَّخَتهُ دُموعُ أُمِّيَ فَوقَ جُرحي المنزِلِيِّ!
وتَجيءُ بِالأَعيادِ كَعكاً لِلصَّبِيَّةِ والصَّبِيِّ
أُمّي النَّبِيَّةُ لا تُخَبِّئُ فيهِ مُعجِزَةَ النَّبِيِّ!
الأَنبِياءُ شَقائِقُ النُّعمانِ فَوقَ ضَريحِ أُمّي
يَتلونَ مِمّا قَد تَيَسَّرَ مِن أَمانِيّي وحُلمي
ويُبَشِّرونَ بِلَيلَةِ القَدرِ الأَخيرَةِ دُونَ عِلمي
فَتَقولُ لي أُمّي: نَصيبُكَ مِن حَياتِكَ شِبهُ يَومِ
جَسَدي أَصيصُ الرّوحِ؛ حَيثُ يُراقُ عِطرٌ لا يُشَمُّ
مِن تُربَتي يَتَفَتَّقُ اليَخضورُ سُنبُلَةً وتَنمو
في كُلِّ سُنبُلَةٍ أُخَبِّئُ نَهرَ وَحيٍ لا يُضَمُّ
مِن فَيضِهِ تَتَسَربَلُ الأَقمارُ أَبيَضَها وتَسمو
"نَمَشُ الحَبيبَةِ لا يُوَسِّدُني كَأَرصِفَةِ المدينَةْ
هذا السَّريرُ يَعضُّني، والسَّقفُ دالِيَةٌ هَجينَةْ
لا الرِّيشُ يَحمِلُ خِفَّتي.. لا الماءُ يَأخُذُني رَهينَةْ"
قالَ المشَرَّدُ، وانزَوى في ظِلِّ نَجمَتِهِ الحَزينَةْ
قَالَت حَبيبَتُهُ: "لمن رَتَّبتُ قَلبي اللَّيلَكِيّا؟
بَتَلاتِيَ السَّمراءُ أَذبَلَها انتِظارُكَ لي مَلِيّا
في حِنطَتي خَبَّأتُ ريفاً وارِفاً وفَماً شَهِيّا
يا (أورشَليمَ) نَشيدِ أَنشادي اقتَرِب عِشقاً ضَرِيّا!"
رُحماكَ يا وَلَداً يُسابِقُ عُمرَهُ لِيَعيشَ مَرّةْ
ويَموتَ مَرّاتٍ لِيَمنَحَ مَجدَهُ الوَثَنِيَّ عُمرَهْ
العاكِفونَ عَلى الخُلودِ تَأَمَّلوكَ كَأَيِّ فِكرَةْ
لَم يَتَّقوكَ -وأَنتَ تُطعَمُ لِلجِياعِ- بِشِقِّ تَمرَةْ!
كُرمى لِعَينَي كَرمَةِ الجيرانِ عُتِّقَتِ الكُؤوسُ
وأُريقَ في فَوضى العَناقيدِ العَذارى خَندَريسُ
يا أَيُّها الغاوونَ والمرضَى، سَتُفتَتَنُ النُّفوسُ:
مِن أَيِّ طائِفَةٍ سَتَعصِرُ خَمرَها الحَربُ البَسوسُ؟!
نَخبَ الطَّوائِفِ.. نَخبَ حاشِيَةِ الخَليفَةِ والوَزيرِ
مَن وُرِّثوا حِرصَ ابنِ آدَمَ أَن يَموتَ عَلى الحَريرِ
ورَمَوا رَمادَ أَبي الفَقيرِ يَسيحُ في البَلَدِ الفَقيرِ
يا رَبِّ، كَيفَ رَأى البِلادَ عَلى تَجاعيدِ الحَصيرِ؟!
أَبكي زَمانَ الوَصلِ أَندَلُساً تَوَشَّحَها الفِراقُ
مُذ لَم تَسَع زِريابَ لَحناً، عادَ يَحمِلُهُ العِراقُ
مِن رافِدَيهِ بَكاهُ فَاختُزِلا بِما اختَصَرَ العِناقُ
ما ضَمَّ (مَوصِلَهُ) إِلَيهِ وفيهِ (قُرطُبَةٌ) تُراقُ!
أَبكيكَ حينَ أَراكَ صَحواً في الضَّمائِرِ لا تَفوتُ
وتَعيشُ في الفُقَراءِ فِردَوساً تَوارَثَهُ القُنوتُ
يا نَجمَةَ القُطبِ الشَّمالِيِّ، اِنَّ بي جِهَةً تَموتُ
دُلّي نِطافَ أَبي إِلى رَحِمٍ رَفَتهُ العَنكَبوتُ
غَجَرٌ.. وقافِلَةٌ.. وخَيلٌ ما تُسَبِّحُ بِاسمِ رَملي
وغَدٌ يُغَربِلُ ماءَ (مَديَنَ) كَي أَراكِ ولم تَطلّي
فَإِذا تَكَثَّفَ ظِلُّكِ المطَرِيُّ تَحتَ هَجيرِ ظِلّي
سَأَعودُ مِن طُورِ الكَلامِ.. وقَد نَسيتُ هُناكَ كُلّي!
(نايا)، ويَنفَرِطُ الخريفُ على أصابعها كصَبري
"لا تَطرقي قَمَري!" أقول لها.. فَتَكسِرُ ما بِصَدري
وتقولُ لي: "أَفلِت جُموحَكَ / هَيتَها أَسرابُ خَصري!"
وتموجُ بينَ بَناتِ آوى والأيايلِ ظِلَّ نَهرِ
هذا الحلولُ يشدُّ سهمَ تَجَسُّدي في قوسِ زَيفي
(نايا) تُعَربِشُ في عروقِ الأزكدينيا وَشمَ صيفِ
"لا تتركي أثرَ الشفاهِ" أئِنُّ // تَهمِسُ: "أنتَ ضَيفي"
وتضيءُ في ياقوتِ حنجرتي لأخلعَ ثوبَ طَيفي
غنجاً بحقِّ اللهِ، لا تتسلَّقي عوجاً سوايا!
شيطانُ طينيَ لم يَرِث ماءَ الألوهَةِ والوصايا
يَتَشَمَّسُ التُّفّاحُ في عُنُقي، فَتَقضِمُهُ النّوايا
خمراً حريريَّ التأوُّهِ لو يُعَتِّقُهُ نِدايا!
من عُلِّمَت أسماءَها الحُسنى لتَمتَحِنَ الملائكْ
ثُمَّ استَوَت في الشهوةِ الأولى على خَدَرِ الأرائِكْ:
لو كانَ بي وثنٌ شهيُّ الكُفرِ، هَل سَأُرى بِمائِكْ؟
لا تَفطِمي ياءَ النداءِ، بَلِ انجِبي أَلِفاً لِيائِكْ!
لا توتَ نَخصِفُهُ لذنبِ وجودِنا.. فتَوَحَّديني
صُبّي شموعَ يديكِ في الطينِ القديمِ وصَلصِليني
وتَهَشَّمي في دفقَةِ المَزجِ الخَفِيِّ وهَشِّميني
فالروحُ: ما ضاقَ الإناءُ به وفاضَ من الوَتينِ
بي لَوثَةُ البارودِ في نَفَسِ الجيادِ إذا تَخِرُّ
تَعَبٌ ضروريٌّ.. وحزنٌ شاعِرٌ.. ويَدٌ تَمُرُّ..
هذا التَّعَلُّقُ في تلابيبِ الشفاهِ، ولا مَفَرُّ
تتلاقَحُ الأنفاسُ خَدرَتَها لأنَّ الريقَ سِرُّ!
لغةٌ مِنَ النَّمَشِ الطَّرِيِّ تسيلُ في الخصرِ النحيلِ
وتفورُ حَنّاءً على (الدّانْتيلِ) كالوردِ القَتيلِ
مِشكاةُ سُرَّتِها تُقَندِلُ حُلكَةَ اللَّيلِ البَخيلِ
لأراكَ يا اَللهُ حيثُ نَزَلتَ في سَهلِ الجليلِ!
وأراكَ يا اَللهُ في قَلَقِ الزنابِقِ وَهْيَ تَمشي
كَمَسيحِكَ الحافي على قَمَرِ الضِّفافِ بدونِ خَدشِ
وأراكَ في مَلَكوتِ عينيها استَوَيتَ بدونِ عَرشِ
فَاطوِ السَّما والأرضَ طَيَّ سِجِلِّها.. رِمشاً بِرِمشِ!
وكما بدأتَ الخلقَ، هل سَتُعيدُهُ فأعودُ رملا؟
أم أنَّ (جِينَ) تَجَرُّدي منّي سيُبعَثُ فِيَّ طِفلا؟
لم يحتملِ ثِقَلَ اسمَ عائلتي ولا اسميَ مُذ تَخَلّى
فيكونُ ليسَ كَمِثلِهِ أحدٌ ولستَ تراهُ مِثلا!
"(نايا)" وأصرُخُ في الفراغِ الرَّخوِ.. في خَرَزِ البلادِ
في وجهِ أمّي.. في ازرِقاقِ الموتِ.. في الوَتَرِ الأُحادي
في كُلِّ شيءٍ كانَ يُشبِهُني..
صرختُ:
"أنا التَّمادي
لا شيءَ يُشبِهُني
سوى سَفَري، ومِنفَضَةِ الرّمادِ.."
هاتي يديكِ، يدايَ ترتجفانِ من ثِقَلِ الحياةْ
لا شيء أحمله معي مني سوى وجعِ الحُفاةْ
هذا الطريق أضاعَني، وأضعتُ فيه دَمَ الغُواةْ
ضمّي عظامي واتبعي لغتي لتتلوَني الشفاهْ
يا أبعدَ الناياتِ عن قَصَبي، أنوحُ ولا أنوحْ
لم يَجرِ في جسدي الهواء، فكيفَ تَثقُبُني الجروحْ؟
أَأَضِلُّ إن رَتَقَ المقامُ (بياتَهُ): (كُرداً) وروحْ؟
لم أدرِ أن ما بينَنا، ما بينَ نُوحٍ.. وابنِ نُوحْ..!
هذا النحيبُ مسافةٌ تبكي رجوعَكِ موجَتَينْ
ومقابرُ الغرقى تقيسُ البعدَ عنكِ بِغَمرَتَينْ
فَإِنِ استفاضَ الشوقُ، مُدّي الصبرَ لي بضفيرَتَينْ
علّي أُبَوصِلُ غربتي بغبار نجمكِ دونَ (أينْ)..
قد تزحفُ الأجيالُ تحتَ جلودِ آبائي إِلَيّْ
وتَضِلُّ من بعدي إلى النسيانِ، أو تُروى عَلَيّْ
وأنا أسافرُ في رياحِ تَشَرُّدي كَدَمٍ جَلِيّْ
أُنسى، كما تُنسى نِطافُ الحزنِ في ظَهرِ النَبِيّْ
(نايا)، سأُنسى.. فاذكريني في سرير الأنبياءْ
من لقَّطوا توتَ العيونِ وجففوهُ من البكاءْ
من علموا خشبَ العروشِ ركوعَهُ بصلاةِ ماءْ
(نايا)، اسجدي للحبِّ واقتربي، لتقتربَ السماءْ
الغيمُ علَّمَني الكثير، كَأَن أسيرَ مع الرياحْ
قلقاً على قلقٍ، ومثلِيَ يشتهيهِ الاِنزياحْ
والغيبُ علَّمَني القليلَ، كَأَن أبوحَ لأُستَباحْ
أثراً على أثرٍ، كنَفثِ الملحِ في أثرِ الجراحْ
.. واللي انحكى من شي دقيقة ونص، كأّنو ما انحكى!
لا تسألي... لساني انفرط منو لحكي لمابينحكى
ضبي الشناتي، وافردي بحضني الضحك لو ما انبكى
ما عاد يحملني السفر أكتر.. لألله المشتكى
خبي معي تْميمِتْ صلا وضَمِّة ت ينكسر الغيابْ
أو تنكسر في صدورنا الأسرار من تلج العتابْ
وتزكري بس تشربي شاي الشفايف هالعزابْ
إنو يا (نايا) ما بِرِد ريقي ت يسقيني السرابْ
متوحدٌ بكِ، كالفراشةِ حولَ قنديلِ الخيالْ
هيَ لا تطوفُ بضوئِهِ العاجيِّ من باب الدلالْ
وهوَ ال يَخافُ على جناحَيها من اللهبِ الحلالْ
متوحدانِ بقُبلةِ النيرانِ في جسدِ الظِّلالْ
عَمّانُ يا (نايا) ستغفرُ بالرحيلِ القاتلِ
وبقسوةِ الدنيا غداً أُرمى لشوكٍ ذابلِ
أو للسؤال: هلِ (الأماكنُ كلها تشتاقُ لي)؟!
(لا الشوقُ يسكنُ باللّقا) أو بالجنونِ العاقلِ..!
هذا الجنونُ يعيدُ ترتيب البلادِ بأسرها
كقصيدةِ النثرِ التي نُسِيَت بكاملِ شِعرها
وكذا البلادُ تشدُّ زُنّارَ الحنينِ بخصرِها:
"لا بحرَ لي.." تحكي، وتلقي للغريبِ بصدرِها
سأمرُّ بِاسمَينا على بَتَلاتِ زهرِ الياسمينْ
ليَشُمَّنا؛ ويَبُثَّ عطرَ عناقِنا للعابرينْ
ولربَّما اخترناهُ أوَّلَ منزلٍ للعاشقينْ...
وطناً أصيلاً لا بديلَ له،، يُحِبُّ الآفِلينْ!
في سهلِ (حورانَ) اخرجي في الليلِ عاريةَ القَصَبْ
أَلقي لتلكَ الريحِ شالَكِ، واشربي خَدَرَ العِنَبْ
وتفتَّقي كالفستقِ الحَلَبِيِّ من صُرَرِ الذَّهبْ
غمازةً في الوجنةِ اليمنى تُنَسّيني التَّعبْ
العشقُ يا (نايا): فناءُ الذاتِ في ذاتِ الذَّواتْ
وهُوَ الحلولُ المستحيلُ بها لِتَتَّحِدَ الصِّفاتْ
من علَّقوا أرواحَهم باللهِ ما أَلِفوا الجِهاتْ
في وَمضَةِ العِرفانِ إذ نَفَضوا السُّؤالَ عَنِ اللُّغاتْ
في (غُرفةِ العرشِ) استَرَقنا الوَردَ مِن شَفَةِ النَّدى
(نايا)، احملي البلدَ الأمينَ معي لنورِثَهُ الغَدا
وتذكَّري أنّي جُبِلتُ من الحنينِ لِأُسهَدا
آنَ الأوانُ لتقرأي اسمِيَ في جَبينكِ:
أحمدا...