ظهَرَتْ حَقائِقُكُمْ جميعا
كنتمْ كما عهدي بكم يا أصدقاءْ
وبَدَتْ عليكم فرحةٌ كالشامِتِينْ
ما كنتُ فيكم أيّها الشُّرفاءُ مُحْتَقَرًا وضِيعا
قد كان يَسْرقُني لكمْ بعضُ الحنينْ
وبَدَتْ تَجِفُّ حرارةُ الأشواقِ في قلبي سَريعا
إذ أنّكمْ واللهِ حقّاً خاسرينْ
واللهُ يبغضُكُمْ ويلعَنُ فِعْلَكُمْ دُنْيا ودِينْ
وأنا وقد أيقنتُ أنَّ اللهَ جاعِلُني رفيعا
أيقنتُ أنَّ اللهَ ألقاكُمْ على ذئبٍ ليلقاكُمْ قطيعا
وقريبةٌ جدّاً حوادثُهُ بكم وأتتْ جميعا
وأراهُ جاءَ الذئبُ يأكُلُ بعضَكُمْ ويموتُ جوعا
يا مَنْ عليكم لا عتابْ
واللهِ أكرَهُكمْ جَميعا
وعلِمتُ أنَّ مَزابلَ التأريخِ ضاقتْ بالذبابْ
أنَّ الكلابَ لو ارْتَدَتْ أحلى الثِّيابْ
تبقى كلابْ
وترفَّعَتْ عن فِعْلِكمْ حتى خنازيرُ الخرابْ
وغدًا سيأخذُكُمْ عذابْ
أدنى مِن الجُبَناءِ أنتمْ مَنزِلاً
وأضَلُّ من وجهِ الغرابْ
تتفيقهونَ كأنكم
جئتمْ إلى أهلِ الصَّعيدِ مِن السَماءْ
لو كانَ في وجهِ الذي لا يَسْتحي قطراتُ ماءْ
قدْ كان في هذي الوجوهِ العارياتِ مِن الحَياءْ
قطراتُ ماءْ
لو أنَّ رَبَّ الناسِ رَقّاكُمْ لأصْبَحْتمْ نساءْ
فتقبَّعُوا كي لا يرى الغرباءُ ما تحتَ الغِطاءْ
وبداخلِ الرَّجُلِ الكبيرِ الكرشِ طنٌّ مِن هَواءْ
وعلى كبيرِ الرأسِ مكتوبٌ ومرسومٌ حِذاءْ
لكنّكم لا تُبْصِرونْ
ظهَرَتْ حقائقُكمْ وكنتم
مثلَما عهدي بكمْ يا أصدقاءْ
عهدي بكم جبناءْ
لكنَّ الجَبَانَ له هويّةْ
عهدي بكم حقراءْ
لكنَّ الحقيرَ بهِ حميّةْ
عهدي بكم تعساءُ تحكمُكُم رؤوسٌ جاهليّةْ
للهِ أشكوكمْ
لقد كبُرَتْ شماتَتُكمْ عَلَيَّهْ
أأمُدُّ في الليلِ المُجَرَّدِ مِن ضِياءِ النجمِ
للموتى يَدَيَّهْ؟
لم يبقَ منكمْ للزمانِ ولا بَقيّةْ
ما كانتِ الأيامُ أقسى مِن قساوَتِكُمْ عليّهْ
للهِ أشكوكم وأشكو الحالَ
أشكو علةً تبْقى خفيّةْ
وتمَلّصَتْ مني قوايَ وليسَ أمْرٌ في يديّهْ
لو كان قلبي من حديدْ
ما كان يَحتمِلُ الذي يجري عليّهْ
قد كانَ منزلُنا مِن الأقدارِ منزلةً سَويّهْ
لم يَنْفَعِلْ منكم كريمٌ أيّها البخلاءُ
يا ذُلَّ العبيدْ!
وستعلمونَ غدًا وليسَ غدٌ لناظرِهِ بَعيدْ
أنَّ الحياةَ تعُودُ تضحَكُ مِن جَدِيدْ
سيعُودُ للدنيا وحيدْ
فيزورُني منكمْ رجالٌ همْ كأشباهِ الرجالْ
وستحلفونَ بأنكم جئتمْ ولكنْ لا مَجالْ
لا تَحْلِفُوا
صّدقْتُكمْ يا أصدقاءْ
لو كان فيكم عِزةٌ أو كِبْرياءْ
ما كان أنزَلَكُمْ لقيطُ الأصْلِ منزلةَ الحِذاءْ
ودخلتم الدنيا كتجّارِ الحَشِيشِ
المدمنينَ على التَسَتُّرِ بالنِساءْ
المدمنينَ على النميمةِ والخديعةِ والرياءْ
المدمنينَ على اغتيابِ الأبرياءْ
لا تَحْلِفُوا جئناكَ لكنَّ الظروفْ!
هذا الكلامُ يكونُ حقّاً
حين كانت جنَّتي الخضراءُ دانيةَ القطوفْ
هذا الكلامُ يكونُ حقّاً
لو أتيتم مثلَما يأتي الضيوفْ
لكنني ما عادَ في جَيْبي ولا حتى سِجارةْ
ولهذهِ الأسبابِ لم تأتوا ولا حتى زيارَةْ
لو كنتُ كلَّمْتُ الحِجارةْ
لأتَتْ وَرقّتْ مِثلَما رَقَّتْ على موسى الحِجارةْ
وتفجَّرتْ منها العيونْ
وغَدَوْا عليها يسبحونَ ويلعبونَ ويشربونْ
وأنا شربْتُ المُرَّ مِن أحقادِكم يا لِلْمَرارةْ!
والآنَ أخسَرُكم وهل هذي خسارةْ؟
في غربتي لا شئَ أتفهُ مِن خسارةْ
لكنَّ أشواقي تخادِعُني فأحلُمُ بالزيارةْ
لو دقَّ بابي الريحُ أصرُخُ مَن هناكْ؟
الريحُ صاحتْ لا سواي ولا سواكْ
لو كنتَ فأراً لم تقعْ يوماً
ولم تَعْلَقْ بأطرافِ الشِّباكْ
أَرأَيْتَ لمّا خانَ دهرُك لم تجِدْ حتى أخاكْ؟
وأنا إذا دقّتْ رياحُ البَرِّ بابي
صاحت قواي الداخليّةُ مَن هناكْ؟
لا شئَ للغرباءِ إلاّ أنتَ ما زالتْ جراحُك والدِّماءْ
إني قصَدْتُكَ إذ تخلّى الأصدقاءْ
إني قصَدْتُكَ إذْ تَعَطّلَتِ الوسيلةُ والدّعَاءْ
إني قَصَدْتُكَ بالحنينِ وبالبكاءْ
وعليكَ باليومِ الذي فيهِ نُقِيمُ لكَ العَزاءْ
ونصيحُ لا واللهِ لنْ ننسى الحُسَيْنْ
ما كانَ ذلكَ بالذي نَدْعُوهُ دَيْنْ
لكننا جُدْنا بأدمُعِنا عليكَ وبالبكاءْ
لمّا تَعَذّرَتِ الإِجادَةُ بالدِّماءْ
وأنا قصَدْتُكَ إذ تخلّى الأصدقاءْ
لو تستطيعُ الآنَ تأتيني وفي هذا المساءْ
يا ملتقى الغرباءْ
لو كبُرَتْ على أحلامِنا صورُ الجَفاءْ
فَغَداً يكونُ الملتقى في كربلاءْ