دَمْعٌ تَلَألَأَ في عَينَيهِ و انْتَثَرا
ومُهجَةٌ ليَ باتَتْ تَحسُدُ الحَجَرا!
وما عَلِمتُ و قدْ أَتْبَعتُهُ نَظَري
أَظَلَّ قلبيَ خَفّاقاً أَمِ انْفَطَرا؟
وما تَهيَّبتُ مِثلَ البَينِ حادِثَةً
ولا سَأَلتُ لماذا العاشِقُ انْتَحَرا
فآفةُ العاشقينَ البَينُ مُذْ عَشِقُوا
لولا الفِراقُ لكانُوا حَيَّروا القَدَرا!
يا لِلفراقِ و يالي مِنْ فَداحَتِهِ
كأَنّني لمْ أُعُدْ مِنْ بَعدِهِ بَشَرا!
مَضى الحَبيبُ فلا آسٍ يُطَبِّبُني
ولا صَديقٌ إِذا حدَّثتُهُ شَعَرا
مَضى فلَيتَ المَنايا يَومَ فُرقَتِنا
قدْ عاجَلَتْنا فلمْ تَترُكْ لنا وَطَرا
ما لِلأَحِبَّةِ بَعدَ البَينِ مِنْ أَمَلٍ
فالبَينُ مَوتٌ و ما مِنْ مَيِّتٍ نُشِرا!
فلَيتَ شِعريَ ماذا يَبتَغي زَمَني
حتى يُغَيِّبَ عنّي الشمسَ و القَمَرا؟
ما كُنتُ إِلا فَتىً في كَفِّهِ قلَمٌ
بِهِ أُتُرجِمُ عَنْ مَعنىً قدِ اسْتَتَرا
اللهُ قَلَّدَنيهِ بَعدَ مَعرفَةٍ
بأَنَّ في داخلي كَوناً قدِ انْفَجرا!
هُوَ الذي سَكَبَ الإِلهامَ في خَلَدي
فما شَعَرتُ سِوى أَنّي مِنَ الشُّعَرا!
أَرى الذي لا يُرى إِلا بِمَوهِبَةٍ
فأَقتَفيهِ بإِحساسي الذي انْبَهَرا!
فَتارَةً أَتَقَصَّاهُ على شَغَفٍ
وتارَةً كانْتِزاعِ الرُّوحِ مُحتَضِرا!
فإنْ ظَفِرتُ بِهِ أَلبَسْتُهُ حُلَلاً
وصَغتُهُ مِثلَ لَمْحِ البَرقِ مُختَصَرا
كالنَّحلِ يَتْبَعُ أَزهارَ الرُّبى طَلَقاً
بِحَدسِهِ الفَذِّ حتّى يَبْلُغَ الزَّهَرا
والشِّعرُ شَهدٌ فإِنْ لمْ يَمتَلئْ عَسَلَاً
فلَنْ يُخَلِّفَ في قُرّائِهِ أَثَرا
ما لا يَراهُ جَميعُ الناسِ أُمسِكُهُ
وأَبْتَليهِ بِخَلقٍ آخرٍ لِيُرى!
و أَنفُخُ الروحَ فيهِ ثُمَّ أَبعَثُهُ
كيما يَجيءَ كَخلقِ اللهِ مُبتَكَرا
أَنا الذي نَظَرَ اللهُ إِلى أَدَبي
فما التِفاتي لِمَنْ بالشِّعرِ قدْ كَفَرا؟
خُلِقتُ و اللغةُ الفُصحى على شَفَتي
حتى أُلَمْلِمَ مِنْ أَعماقِها الدُّرَرا
فأَيُها المُتَلَقّي الشِّعرَ كُنْ فَطِناً
فَليسَ كُلُّ قَصيدٍ يَخطِفُ البَصَرا
وما انتِشارُ دَواوينٍ مُلفَّقَةٍ
إلا دَليلٌ على الذَّوقِ الذي انْحَدَرا
كأَنني برَهينِ المَحبَسَينِ يَرى
ما يَكتُبونَ مِنَ الشِّعرِ الذي كَدُرا
فَيبعَثُ الشَّيخُ مِنْ مَثواهُ هَمْهَمَةً
وما فَهِمتُ و لكنْ خِلْتُهُ سَخِرا!
إنّا لفي زمَنٍ لوْ هَبَّ أَشعَرُ مَنْ
فوقَ البَسيطَةِ قالَ الناسُ قدْ هَذَرا!
لو يَقرأُ المَرءُ أَشعارَ الأُلى غَبَروا
ما عادَ يُطْرِبُهُ إِلا الذي غَبَرا
فإِنْ خُلِقتُ بِعَصرٍ ليسَ يُنصِفُني
فسوفَ يَذكُرني التاريخُ مُفتَخِرا
إِنّي أُغَنّي و لا أُلقي لِمُسْتَمِعٍ
بالاً و لستُ أَرى لي عِندهَ وَطَرا
فباركَ اللهُ ما أَتلوهُ مِنْ كَلِمٍ
وقالَ طُوبى لِعَبدي كُلَّما افْتَكَرا