أتشكو؟ كيف لا أشكو اكتئابا؟
فلم أجدِ الهوى إلا سرابا
أحقُّ الخلقِ بالشكوى فؤادي
وأكثرهم وأطولهم عذابا
بمحبوبٍ تأنّقَ دون حَليٍ
أذابَ الناظرينَ له أذابا
وإن أرسمْهُ من كلفي بترْبٍ
لطيّبَ رسمُهُ ذاك الترابا
ولو قلتُ اسمَهُ فسألتُ غيثًا
سيأبى الغيثُ إلا أن أُجابا
نسيتُ بحبّهِ أهلا وصحبًا
وأنساني اللذاذةَ والشرابا
يكلّفني بدَلٍّ فوقَ وسعي
ويُسهلُ من تبسّمهِ الصعابا
يعيّرني الخليُّ بهِ سفاهًا
فأعذرَهُ إذا هوَ ما أصابا
فكم من عاذلٍ لمّا رآهُ
تعجّبَ كيفَ عيّرني وعابا
فقلْ للعاذلينَ إذا تمادوا
يقلّوا اللومَ ما عرفوا الصوابا
أعدَّ الطيفُ لي وجدًا جديدًا
وكنتُ أخالُ أنّ القلبَ تابا
إذا ما الطيفُ عاودني بليلٍ
تصبّبتِ الدموعُ بهِ انصبابا
وذكّرني بزورتِهِ خليلا
بهِ غرّبْتُ في الحبِّ اغترابا
ووصلًا لم يكن إلا لهجرٍ
يشتُّ ولم يكن إلا اجتنابا
غداة أبى وأخبرني بصدٍّ
ولم ينطقْ فأشعرني انقلابا
كمثلِ الدهر صار إلى انقلابٍ
وصيّرَ صاغرًا أسدًا مُهابا
فما نيلُ المطالب بالتمنّي
ولا أنْ تأخذ الدنيا غلابا
ولكنْ أن تصانعَ أهلَ دهرٍ
وتغدو الكلبَ أو ترعى الكلابا
عجائبُ هذه الدنيا أناسٌ
وما عجبي إذا نطحوا سحابا
فإن ذُكرَ الشبابُ فلستُ أبكي
فقد أفنيتُ بينهمُ الشبابا
وإن أغضبْتهم يرضونَ منّي
وإن أرضيتَهم رجعوا غضابا
وإن أعطيتُ قيلَ: يشوبُ منًّا
بقولهم يشوبُ الرأسُ شابا
يروّعك القريبُ إذا تمشّت
عقاربُهُ فما ترجو اقترابا
ولكنّ ابتعادًا دونَ صرمٍ
ولستَ تُلامُ لو أغلقتَ بابا
لأنّ اللؤمَ أصبحَ نهجَ دهرٍ
وأمسى النبلُ مذمومًا مُعابا
فما سلمَ الفتى لمّا تذاكى
وما ظفرَ الفتى لمّا تغابى
فلا ترجُ الودادةَ من بغيضٍ
ولا تأملْ لذي شنْءٍ إيابا
لأنّ الصفوَ ليس له حليفٌ
ولستَ سوى هنا فاطلبْ غيابا
ستجحدكَ الشموسُ فكن ظلامًا
ويلعنكَ الظلامُ فكن شهابا
وثقّبْ كلّ عاريةٍ وعارٍ
ولا يغررْك إن لبسوا ثيابا