لقدْ حلَّ بالإسلام خطبٌ تزلزلت
جوانبهُ من غيرِ شكٍ ولا وهمِ
ورونقُ عزِّ العارفينَ تساقطتْ
دعائمُهُ حزنًا ومالتْ إلى الهدم
وأُطفِئَ مصباحُ الهدى بعد ضوئِهِ
لما صار في الإسلامِ من شدّة الثّلم
فقد فُقِدَ البدرُ المنير بأرضنا
فأظلمتِ الآفاقُ من ساكبِ الغمّ
وفُوِّقَ فينا سهمُ بينٍ أصابَنا
فمزّق قلبًا قد تفتَّتَ بالسُّمّ
وكيفَ وسهمٌ بالقضاءِ أصابنا
فأصمى فؤادَ الخلقِ من صائبِ السهم
وناختْ مطايا الحزنِ بالقلب بغتةً
فأضحتْ بها أهلُ العقولِ بلا فهم
ألمَّت بها مَعْ كلِّ كربٍ ووحشةٍ
فأدهشَتِ الألبابَ من شدّةِ الغمّ
يحقُّ لجفنِ العين أنْ يسكُب الدّما
ويسقي أراضي الحزنِ من سُحُبِ [الدّم]
ويَثبتُ للجسمِ الصّحيح ضناؤه
وأنْ لا يُرى من بعد ذلك بالنوم
لفقدِ فريدِ الدّهرِ سيّدِ عصره
وتاجٍ لكلِّ العارفين ذوي العلم
وفخرٍ وقطبٍ بل وسعدٍ وسيّدٍ
وخاتمةِ الحفّاظِ في العلم والفَهم
فضائلُهُ في كلِّ قطرٍ شهيرةٌ
تقوم بها الأنباءُ للعُربِ والعُجم
فلمْ يكُ يحصيها المديحُ بسردها
ولم تُحصِها حتى الدّفاتر بالرّقم
فوا حسرتا من فقد حَبرٍ مدقّقٍ
خبيرٍ بردّ الصّعبِ من باطلِ الزّعم
يرجِّحُ أقوالاً ويبدي مَحاذرًا
يقومُ بحلِّ المعضلاتِ على حزم
فلو كان بالأرواحِ يُفدى لَكلُّنا
نفاديه بالأرواحِ في غايةِ الجزم
ولو كان يجدي بذَلُ ذاتٍ ومهجةٍ
نسارعُ في بذلٍ ولم نخشَ من لوم
وذا أحمدٌ أستاذ كلِّ محقِّقٍ
وبرهانُ ردِّ الزيغ كالردّ بالسّهم
وبحرٌ وكنزٌ بل وأغلى من [الدُّرَرْ]
وشمسُ هدًى تُجلى به سُحب الوهم
فيا طالما أحيا العلومَ بدرسه
ويا حسنّ بدْءِ الدرس منه مع الخَتم
ويَهدي إلى تقوى الإلهِ خليقةً
وينشرُ نظم الدرّ في محفلِ القوم
وكم رَوِيَ الطّلابُ من بحرِ فيضه
وكانَ نصوحًا لا يميلُ إلى الكتم
وكان شبيهًا بالجُنَيْد مع السَّري
وسار بسيْرِ العارفين على عزم
تلقَّتْهُ أملاكُ السّما بتحيةٍ
تبشّره أن نلتَ أجرًا لذي الحِلم
تقبَّلَ مولانا العظيمُ خضوعَهُ
وقابلهُ المولى بسُحْبِ الرِّضا تَهمي