اليوم يومُكِ يا دمشقُ حزينُ
والدَّمْعُ من هول المصاب معينُ
خطبٌ من الأطفال يغتصب الكرى
وعلى الأساة تعذَّرَ التَّسكين
هطل الرّصاصُ على النَيام فراعهم
موتٌ بعقرِ ديارِهم مسنون
أنّى التفتَّ منازلٌ مهدومةٌ
وبكلِّ صوب زفرةٌ وأنين
تستصرخ الفتياتُ شبّان الحِمى
والمرتجون مروَّعٌ وطعين
واستيقظتْ سلمى وطاش رشادها
من ليلةٍ فيها الممات جنين
وتعلّق الطّفلُ الجزوع بذيلها
فتكلَّمت بدل اللّسان عيون
وتحفَّزت تبغي الفرار بطفلها
فبقاؤها بحياته مقرون
قنعتْ من البيتِ الأثيث بمالها
والمالُ في الزّمن العصيب ثمين
وعدتْ وبدرةُ مالها بيسارها
وتقلّ ذيّاك الصغير يمين
حَمِي الوطيس فأخفقت خطواتُها
وعرا الدّماغَ النيّرَ التّوهين
ومضت تدبر للنّجاة وسيلةً
فيها الفرار مسهّلٌ مأمون
قالت صغيري لا أطيق فراقَهُ
فهو الحياة وكنزيَ المدفون
سأصون في البئر العميق دراهمي
والبئر في حفظ النقود ضمين
طرحت، ولكن طفلها يا ويحها
ونضارها بيسارها محضون
ضمَّت دراهمها كضمَّةِ مرضعٍ
أملُ الحياة بطفلها مكنون
وحنتْ عليهِ تستمدّ جلادةً
ولها الصغير مشجّع ومعين
حتّى إذا بلغت مكانًا آمنًا
سأل الصبايا أين بات أمين؟
قالت بحضني نائم لا تجزعوا
بالرّوح أفدي نومَهُ وأصون
وإلى الدّراهم قد أشارت كفُّها
وعلى المحيّا غبطةٌ وسكون
فأجبنها أين الوليدُ فلا نرى
أحدًا وقولُك خدعةٌ ومجون
فانجابتِ الأوهام عن نظراتها
ودرت بأن جوابَهنَّ يقين
فجرتْ مدامعُها وكان أنينها
يفري القلوبَ كأنهٌ السكين
وتمدّدت فوق الرّغام وعينها
جَمْرٌ توقَّدَ والفؤادُ أتون
تجري أمومتُها على كلماتها
وعلى الشُّهود كآبةٌ وشجون
وإذا بضحكتها تعالت فجأة
وإذا الأنينُ بصدرها تلحين
تهتزُّ من غنجٍ وتطرق عن حيًا
كمليحةٍ يحتثُّها المفتون
بَسَمَتْ وناحتْ أعولتْ وترنَّمَتُ
هذا مصير البائسين جنون
جُنَّت لموت صغيرها ونظيرُها
بجنونها في ذا المصاب قمين
لا تنكروا دمع النّساء لأنّهُ
حقٌّ وجرح الأمهات ثخين
ما زالت الآلام تنهش قلبَها
حتى تقوَّض جسمُها المطعون
ماتتْ كما مات الصَّغيرُ ضحيّةً
وبنفسها للقا الصّغير حنين