هذه قصَّةُ الوجهِ الآخرِ من التَّكوين.
وَجَدْتُها وعَيْنَاي مُغمضَتَان
فالطَّريقُ حبيبتي.
قادمٌ من انتظارِها لي
قادمٌ من رُجُوعي إليها.
هذه قصَّةُ الوجهِ الآخرِ من التَّكوين
اسمَعُوا
لا تُغلِقُوا الأبواب
الموجُ يحملُ الرِّسالةَ إلى الرِّيح
والرِّيحُ إلى الشَّجَر
والشَّجَرُ إلى الدَّفاتر.
يا شُيُوخَ الدِّيارِ وفتيانَ الحَارَات
اجلسُوا اللَّيلةَ أمامَ العاشق
أيُّها المُسرِعُونَ: هل ذهبتُم حقًّا لتعُودُوا؟
اكسرُوا اللَّيلَة لحظة
هَلُمُّوا إلى حلقةٍ حولَ الشَّاهد
ياحبيبتي، صَلِّي لي، كيْ أُحسِنَ دَعْوَتَهم إلى العيد.
طُيُورُ المواسمِ تَعْبُر
ونورُكِ لا يسحبُ يَدَيْهِ من أمامي.
أنا المُلَملِمُ ألفاظَ صَدَاكِ
اقرئِيني قبلَ أنْ يعرفُوني، فأصلَ باكرًا إلى القلب.
هذه رُؤياكِ بلُغتي المُنحنية
هذا كَنزُكِ بلُصُوصِ يَدَيَّ
هذا بَحرُكِ من مَركِبي الصَّغيرِ، فانظُري إلى بَحْرِكِ من مَركِبي، وعَيْنَاكِ عليَّ شراع
أنتِ التي تُغيِّرُ الحياةَ بجهلٍ صاعق
أنتِ المضمُونة
تُغيِّرين الحياةَ دونَ انتباه
بعُرْيِ النَّقاءِ الذي لا تستسلمُ الأسرار
إلَّا لشَهوتِه
هي قصَّتُكِ
قصّةُ الوجهِ الآخرِ من التَّكوين
في اليومِ السَّادس
جَلَسَ الله يتأمَّل
قالَ:
«خلقتُ كُلَّ الأشياءِ الجميلةِ وأنا أملِكُ سِرَّها
لكنَّها بحاجةٍ إلى مَن لا يملك سِرَّها
فتكون له جنَّةً، ويكونُ لها دَهشة»
وخَلقَ اللهُ الإنسان
ذَكَرًا وأُنثى، خَلَقَه
لأجل أنْ تبقَى السَّماواتُ والأرضُ جميلة
في سَعيِ مَنْ لا يملِك
في ارتباطِ مَن لا يَربط
في دهشةِ مَن يعرِفُ ولا يَعرِف
في سلامِ مَنْ لا يهزُّ سلامًا إلاّ لتسقطَ منهُ تحيَّة
في حُرِّيَّةِ مَنْ لا يَعرِفُ أنْ اسمَها حُرِّيَّة
في سعادةِ مَنْ أُعطيَ جَسدًا في شكلَينْ
ليُعطَى جميعَ أشكالِ السَّعادة.
ودَخَلَ اللهُ يستريحُ تارِكًا وكيلهُ ذَكَرًا وأُنثى.
وما إنْ دَخلَ حتَّى انشقَّ الرَّجُلُ عن المرأة
كاليابسةِ انفصلَ عن الماء
كالشَّجَرِ اقتَلعَ نفسَهُ من اليابسة
تحتَ الطَّمعِ انشقّ
لأنَّهُ ظنَّ استراحةَ اللهِ فراغًا
شقَّ نفسَهُ، قَسَمَهَا
خَسَفَهَا.
كان واحدًا.
كان ذَكَرًا وأُنثى واحدًا بالحُبِّ
كان جنسَينْ بلا هُوَّة، كان جنسَينْ باتِّحادٍ دونَ انقطاعِ مثلَ كلِّ شيء.
أسعدَ ممَّا كان لم يكن
لكنَّهُ بَدأ، ولم يُكمِل.
باحتقارٍ تحوَّلَ إلى الجنَّة
قالَ إنْ الوكيلَ قليلٌ، وأصيلًا سيكون
مالكًا وحدَه
وبغيرِ شبيهٍ سيكون.
وانشقَّ عن أُنثاه
سَحَبَهَا كمِنديلٍ، وكَسَفَهَا
وأَبعَدَهَا، رَماهَا، ليهجمَ بارتياح
ليتفوَّق
ليهجمَ في مركبٍ أخفَّ ثقلًا، إذ أَفرغَهُ من نصفِ حِمْلِه
إذ أَفرَغَهُ من الرِّقَّة.
وكانت الرِّقَّةُ قويَّةً، تمنعُ جُنُوحَ المركب
شديدةً تمنعُ المُصيبة.
رَمَاهَا، انسحبَ الرَّجلُ من المرأة
النَّسرُ استلَّ من صدرِهِ العُصفُورة
قال: الضَّعيفةُ هذه وتُشارِكُني؟
الضَّعيفةُ، لأنَّهُ فكَّرَ الظَّاهرَ هو المَكنُون.
رَمَاهَا ومِن بين الأوراقِ نادَتْهُ كعُصفُورةٍ بيضاء
فَنَظَرَ إليها كالنَّسرِ الأسودِ، لا ليراها، بل ليَسْكَرَ بظِلِّه
لأنَّهُ شاهدَ نفسَهُ كبيرًا في عَيْنَيْهَا
وشاهدَهَا صغيرةً في عَيْنَيْه.
وقال: لأكُنْ عَليهَا إلهًا!
وكَسَرَهَا
ومِن شَفَقَتِهَا عليه انكَسَرَتْ
وطَرَدَهَا إلى الأسْر
فأطاعَتْ، لئلَّا تلفِتَ غضبَ اللهِ إليه
وبَسَطَ يَدَيْهِ تحتَ صوتِهِ الصَّارخ:
لا شَريكَ لي!
وافتتحَ سُلطانَهُ هكذا نصفُ الإنسان
إذْ شدَّ المرأةَ من حنانِها، وخَنَقَهَا
وصارَ النَّاقصُ هو السَّيِّد
ونادى اللهُ الرَّجلَ: ماذا فعلتَ؟
فَشَكَاهَا: يا اللهُ، فَرَّقَتْني، أَغْوَتْني، جَرَّتْني إلى الشَّرِّ.
وَلَمْ يَسمعْ جوابَ اللهِ الذي أدارَ للجبانِ صمتَه.
وحَزِنَ اللهُ، وقرَّرَ أنْ يكونَ للرَّجلِ خلاصٌ رغمَ ذنبِه
فالتفت إلم الأسْر
وكما أرسلَ ظلَّهُ فوقَ الغَمر.
أرسلَ هواءً جديدًا إلى الأسْرِ قائلًا:
رَفْرِفْ على أمرِ السَّيِّدةِ السَّجينة.
وكان ذلك الهواءُ هو الحُبَّ.
انعطفَ اللهُ على الصّّغيرة
في الحُبِّ وضَعَهَا الله
وعريسُها وَضَعَهَا على الصَّليب.
ومَضَى العريسُ في الطُّغيان
والعرُوسُ مَضَتْ في الرِّضى.
ادَّعَى عَظَمَة، وغصنُ زينونٍ لم ينحَنِ له
ادَّعى مُلْكًا، وتحسَّسَ رأسَهُ، فأينَ التَّاج
ظنَّ هَزَمَهَا، وما هَزَمَهَا، بل تَركَتْهُ يفرحُ بأوهامِه
لأنَّهُ الضَّعيفُ، ولأنَّها القويَّة.
للعُصفُورةِ البيضاءِ قُوَّةٌ، وللنَّسرِ الأسودِ إرهاب
عُصفُوركُ الميثاقِ حَفِظَتْ ميثاقَها
وحَضَنَتْ عذابَها، لتحضنَ مُعذِّبيها
فالكاذبون أطفالُها، ولو تزوَّجُوها.
لم تحقِدْ كناحيةٍ قاحلة
ولا طَلَبَتْ شفقةً، فالنَّبعُ لا يطلبُ ماء
وبقيتْ في الأسْر
مُنذُ الخليقة
وجهُها ينتظرُ كالبُحيرةِ المسحورة
والعريسُ فوقَ الخيل
فوقَ الدَّم
هائمٌ يُتمِّمُ عهدَ القتل
واصلًا الجبالَ بالجحيم
لَعْنَتُه تَهدُرُ في سُلالتِه
يَقتُلُ كبهيمةٍ، ويَقتُلُ كعاقِل
يَقتُلُ كَبَاغٍ، ويَقتُلُ كعادل
يَقتُلُ كمُخيفٍ، ويَقتُلُ كخائف
الجبَّارُ الشَّقِيّ
يُطارِدُ الموتَ، فيَقتُلُ الحياة
يشرَبُ دَمَهُ، ويفترسُ شبابَهُ
العريسُ القاتِلُ شُهُودَ عُرسِه، ليقتُلَ شُهُودَ خيانتِه
ليَقتُلَ نُفُوسَهُ، فلا تُحدِّقْ فيه
العريسُ المُنزِلُ طوفانًا، ليُطفِئ شمعة
العريسُ المُلْقِي عروسَهُ هجرًا تحتَ اللَّيل
سَجَنَهَا، طَوَاها تحت اللَّيل
وهي تقومُ، وتُغطِّيهِ في اللَّيل.
وبقيتْ في الأسْر
التي تحتَ قَدَمَيْهَا الأرضُ مأمونة
بقيتْ في الأسر
وجهُها ينتظرُ كالبُحيرةِ المسحورة
أنْ يتعبَ الوقت
أنْ يَعْبرَ الوقتُ صُخُورَ الوحشيَّة
ويتقدَّمَ نحوَها قائلًا:
«السَّلامُ عليكِ
أنا الصَّدى إلى الصَّوت
أنا القطيعُ إلى الرَّاعية».
بقيتْ في الأسْر
مُنذُ الخليقة
وجهُهَا ينتظرُ كالبُحيرةِ المسحورة
أنْ يَجيءَ
أنْ يَجيءَ
أنْ يَجيءَ وقتُهَا في حبيبتي.
اسمحْ لي، يا الله
أن أتذكَّرَ خطيئتي
أن أتذكَّرَ عن جميعِ آبائي
أن أتعّذَبَ نَدَمَهُم وأنهارَ تَوْبَتِهِم
أمامَ حبيبتي.
يا حبيبتي.
أوانُ العدلِ يكتملُ فيكِ، فليفتَحُوا العيد
الحياةُ كُلُّها تركعُ عندَ قَدَمَيْكِ
أختصِرُ إليكِ توبةَ الزَّمانِ، وأسجدُ إليكِ طاعةَ الأعمار
وأغسِلُ عَتَبةَ بابِكِ بدُمُوع الخليقة.
أنا هو الشَّيطانُ، أُقدِّمُ نفسي:
غَلَبَتْني الرِّقَّة
اشتدَّتِ الغُيُومُ وراءَ الأقفالِ، الحُجُبُ انشقَّتْ
المَطَرُ يستسلمُ للأرض
غَلَبَتْني الرِّقَّة، حبيبتي أَحَبَّتْني
حبيبتي أطْلَعَتْني من عُمقِ البحرِ، فشاهدتُ الكونَ مُنذُ البداية
حبيبتي عَقَدَتْني في النُّورِ، كَنَبِيٍّ على تقاطُعِ الطُّرُق
حبيبتي خيَّمتْني في المَصْدَر
حبيبتي تَلاقَتْني، وحَضَرَتْني.
إذا أنا رأسُكِ، يا حبيبتي، فأنتِ الهالةُ حولَ رأسي
أنا رأسُكِ، وأنتِ التَّاجُ على رأسي
أنا الهجرةُ والعودةُ بين هلالَيْكِ.
حُبُّكِ حَيَّاني في الاضطرابِ، واستقبلَني في اليقين
أَدخَلَنِي، وخَلَّصَني
حَرَّرَني من الصِّراعِ الأحمقِ، وسَقَاني خمرَ العُرْس
صَفَّاني، وأَبْدَعَني
أَطفأَ ما يشتعِلُ، وأّشعَلَ ما يَنطفِئ
فلا يَنطفِئ
وقالَ لي مَنْ أنا بيَدَيْكِ،
والصَّدى القليلُ الباقي بين النَّاس
راحَ يكبُرُ كشُعُوبٍ، ويَضِجُّ كَصُنُوجٍ، ويُردِّدُ كَدُفُوفٍ لِيَدَيْكِ:
هَلِّلُوليَا!
كانت الفضائلُ تَعْبُر حولي كضبابٍ مَهزُوم
كُنتُ أتكلَّمُ صحيحَ اللُّغاتِ، لأُجنِّدَ لُصُوصًا، وأستهويَ زمنَ الرُّعْب
كُنتُ خلًا في جَسَدِي
وبكلمةْ منكِ أقولُ، فلا يعودُ يفصلُ الأشياءَ غيرُ العطر
كُنتُ أُخاطِبُ الحُبَّ وبابي مُقفَلٌ في وجهِه
كُنتُ أُخاطِبُهُ وذراعاي تُعانِقَان لُغة
وصرتُ بكِ الحُبَّ، حَرَقْتُ فمي، فَقَامَ وفيهِ فَجْرٌ كثير
وعوضَ اللُّغاتِ صرتُ دُمُوعًا
فللنِّعمةِ دُمُوعٌ، كما للجزيرةِ أمواج.
وبعدما كان جيشيَ جبَّارًا، وأرضيَ مَكسُورة
صار جيشي مَكسُورًا بصداقةِ الحياةِ وأرضي جبَّارة
وألقيتُ جسرَ دُمُوعي متينًا فوقَ الهاوية.
صيَّادُها يّسقط
والعُصفُورةُ البيضاءُ تُصلِّي له، فيَنْجو،
يجلدُها المتسلِّط، فتسألُهُ عن ضَنَاهُ، كأنَّهُ الضَّحيَّة
المُحتلُّ، وتهدأ
اليائسُ، وتهدأ
الطَّاغيةُ، وتهدأ
لأنَّها أرضٌ، والأرضُ سماءٌ، والغُزاةُ سحَابة.
مَن تكونُ التي أُغنِّيها؟
أقولُ هي، وأُريدُ أنتِ
أجمعهُنَّ فيكِ، لأنَّكِ المُفردة
ولا وُجُود لهنَّ إلَّا فيكِ.
مَنْ تكونُ التي أُغنِّيها؟
حبيبتي التي رأيتُ الشَّمسَ تحتَ عَيْنَيْهَا قَمَرًا في نهرٍ تحتَ صَفْصَاف
المجنونةُ، لأنَّها الملكةُ، وعَطْفُها اختارَ الفقير
المجنونةُ، لأنَّها الكُلِّيَّة الجَمال، الصَّالحةُ تمامًا
الخارقةُ الطَّبيعة تَرَجَّلتْ بين الأنقاضِ، لتُشفِقَ عليَّ
المرأةُ الواحدةُ الضَّابطةُ الكلّ
الدُّرَّةُ المصقولةُ بتَوالي عذابِ الأجيال
بكمالٍ وَصَلَتْ مُختارةً دونَ نقيصة
بكمالٍ مُختارة
ومُجهّزَّة بعُرسٍ، لا شقيقَ له
التي أندمُ إليها بضمائرِ جميعِ الرِّجال
يَندمُون إلى جميعِ النِّساءِ مُنذُ الأزل
لأنَّها وارثةُ البهاءِ المسجونِ في خزائنِ العهدَيْن
لأنَّها الرَّسولةُ بشَعْرِها الطَّويل حتَّى الينابيعُ.
وإنِّي أدقُّ أدقُّ أدقُّ، فافتحُوا
اُمحُوا ما قَبْلَه
الرَّاوي فَلْيَرْوِ، والعَصِيُّ فَلْيُصْغِ
السَّاحرةُ بيضاءٌ، وما من ساحرةٍ سوداء
الغابةُ شقيَّةٌ بالأسدِ، رضيَّةٌ بالفراشة
الغابةُ خضراءُ، لأنَّ الفراشةَ خضراءُ، ومرآتُها الغابة.
من شَفَتَيْكِ
وعلى أذيالِ نُبلِكِ، رأيتُ الوجهَ، رأيتُهُ، يا حبيبتي
وفي رضاكِ بحُبِّي، رأيتُ العطاء
وعليكِ رأيتُ الكلمة.
منكِ أتعلَّمُ خيرَ اللَّحظةِ وخيرَ الشُّعُوب.
تسهرين فيَّ كاللَّهَبِ في السِّراج
كالعنايكِ فوقَ المُسافر.
وَجَدْتِني بين الوَحْلِ والشَّوكِ، فَتَبَنَّيْتِ الشَّارد
وصارَ مُشعًّا.
ما أكرمَ مَنْ تحفظُ هكذا
صورتي خصبةً في جسدِها
ما أغبى مَنْ يختالُ مثلي جاهلًا أينَ القُوَّة
وأنَّ الكُلَّ بسيطٌ وجميل
لأنَّكِ تقولين: أُحبُّكَ
وأنَّ كُلَّ شيءٍ يبتسمُ لي
لأنَّ نَظَرَكِ عليَّ
وأنِّي مُطمئنٌّ
لأنَّكِ تتحمَّلين القَلَق
وأنِّي مُطمئنٌّ
لأنَّكِ لا تُعطين إلَّا الطُّمأنينة.
جَسَدُكِ يُحيي الجوهرَ، وجَوهرُكِ يُحيي
تغارين قويَّةً، فيرتاحُ الضَّعيف
وتغارين ضعيفةً، فأسيرُ كسَيِّدٍ، يحملُ المفاتيح
وتُخفِين الغَيْرةَ، فأظُنُّكِ جاهلة.
تعرفين وتظلِّين نقيَّة
تغارين غَيْرة الملكة
وتُحرِّرين تحريرَ المالكة
افتتاحُ شَفَتَيْكِ عيد
وشَفَتَاكِ نبيذُ السَّيِّد
فَمُكِ مُحْمَرٌّ بشمسِ جبينِك
الأغصانُ تُغنِّي في النَّارِ، لأنَّ سَمْعَكِ تتويجُ
يدي يدٌ لكِ، ويَدُكِ جامعة.
حَسَرْتِ الظِّلَّ عن شَجَرَةِ النَّدَم
فَغَسَلَ الشتاءُ نَدَمِي، وَحَرَقه الصَّيف.
أنتِ الصَّغيرةُ كنُقطةِ الذَّهب
تَفُكِّين السِّحْرَ الأسود
أنتِ السَّائغةُ اللَّيِّنةُ، تشابكتْ يَدَاكِ مع الحُبِّ
وكُلُّ كلمةٍ تقولينَها تتكاثفُ في مجموعِ الرِّياح.
أنتِ الخفيفةُ كريشِ النَّعَامِ، لا تقولين تعال،
ولكنْ، كُلَّما صادَفْتُكِ كُلَّ لحظةٍ، أعودُ إليكِ بعد غيابٍ طويل
أنتِ البسيطةُ، تُبهرِينَ الحكمة
العالمُ تحتَ نَظَرِكِ سنابلُ وشَجَرُ ماء
والحياةُ حياةٌ، والفضاءُ عرباتٌ من الهدايا
أنتِ هِدايتي. يا الله، أضِفْ عُمري إلى عُمرها
يا حبيبتي، أنتِ الوجهُ الآخرُ من التَّكوين
يا حبيبتي، أنتِ الحقيقة
يكونُ بكِ انفعالٌ وحكمةٌ لي
يكونُ بكِ لذَّةٌ وكرامة
يكونُ بكِ جُنُونٌ ولُجُوء
أنتِ عودةُ جَسَدَيْنا جسدًا صالحًا للعناصر
أنا رأسُكِ، لكنَّكِ الهالةُ حولَ الرَّأس
لم تُعلِّميني كالرِّجالِ، ولا تتسلَّطين عليَّ
بل تسكتين كمريمِ العذراء
فأُطيعُكِ، وشَرِّي لخُضُوعِكِ يَخضَع.
منكِ أتعلَّمُ وأنتِ لا تُعَلِّمين
كيف المَنيعةُ بالحُبِّ تحرسُ لقاتِلِيْها الحياة
كيف المنارةُ صغيرةٌ، والعَتْمُ كبيرٌ، وكيف تفرشُهُ الصَّغيرة
كيف ذات الرِّفقِ عظيمةٌ، لا تشكو، وكيف الله
أعطاها الخوفَ علينا
وتَركَ للكاذبين الخوف.
أيُّها الرَّبُّ،
اِحفَظْ حبيبتي
أيُّها الرَّبُّ الذي قالَ لامرأةٍ، يا أُمِّي
اِحفَظْ حبيبتي
أيُّها الرَّبُّ إلهُ جُنُودِ الأحلام
اِحفَظْ، يا ربُّ، حبيبتي
مَهِّدْ أمامَها
تَعَهَّدْ أيَّامَها
مَوِّجْ حقولَها بعُشبِ الخيال
اجعلْ لها كُلَّ ليلة
ليلةَ عيدِ الغد
أيُّها الرَّبُّ، إلهُ المُتواعِدِيْن على اللّقاء وراءَ جسرِ الحُرَّاس
أيُّها الرَّبُّ، إلهُ الخواتمِ والعُقُودِ والتَّنهُّدات
يلتمسُون منكَ طعامَهُم
وألتمِسُ منكَ لديارِهِم، وما من ديارٍ غيرُ حبيبتي
شاطئي أطرافُ بَحْرِها، وبَحْرُها أمان
يذهبُ النَّاسُ إلى أعمالِهم
ومِن حُبِّها، أذهبُ إليكَ
حنانَيْكَ، يا ربُّ، جَعَلَتْني إليكَ
أنتَ السَّابقُ صلاتي
بَاركْها فوقَ ما ألتمسُ منكَ
فعطاؤُكَ فيضٌ على الرَّجاء.
جَعَلَتْني إليكَ
هي تقولُ، فأقولُ المجدُ لكَ
هي تعملُ، فتجري أنهارُكَ في قِفَارِي
هي تنظرُ، فأراكَ
هي تعملُ، فأتأمَّلُ في مُعجزاتِكَ
تنتهي لهم الأرضُ عندَ أعمدةِ البحر
وتنتهي لي بحُدُودِ قَدَمَيْهَا.
جَعَلَتْني إليكَ، فاعترفتُ لكَ، لأنَّها
رَنَّحَتْنِي بالصِّدْقِ كالسَّكْرَان
لأجلِ نفسي جَعَلَتْني إليكَ
أليس قليلًا مهما الْتَمَسْتُ لها؟!
إلى أنْ تُصبحَ جَدَّةً عتيقةً مثلَ كُبرى شَجَراتِ الزَّيتون
أَطِلْ أيَّامَهَا، يا ربُّ
وجَدِّدْ، ثمَّ جَدِّدْ أرضَها
آمنتُ، ولذلك أطلب
طلبتُ،ولذلك آمنتُ
آمنتُ منها، يا ربُّ
احفَظْها، بارِكْها
هي تُشرِقُ، فأستنيرُ بكَ.
أُغنِّيكِ، يا حبيبتي
من أجل أنْ أُلامِسَ حياتَهم شيئًا ممَّا تُلامسين حياتي
من أجلِ أنْ أغمرَهُم بالأسرارِ التي تُضيءُ القلبَ، وبالقلبِ الذي يُضيءُ الأسرار
بعضَ ما تغمرين قلبي وأسراري
من أجلِ أنْ أكونَ معهم في الصَّباحِ جُزءَ ما أنتِ لي:
شتاءَ نُجُوم
وشمسَ ينابيع
وشُعَاعًا يَخرِقُني من زُجاجِ كنيسة
ويَدَيْن شَافيَتَينْ.
أعطاكِ الزُّوفَى البيضاءَ، فَغَمَرْتِنِي بها
أنتِ المُكبَّلةُ بأهلِكِ؛ بشعبِكِ
أعطاكِ جرَّةً، فتعدَّدتْ وصارتْ ينابيع
والواردُ إليها المُلبَّدُ بالشَّرِّ صارَ قيثارة.
أنتِ المُكبَّلةُ بأهلِكِ، بشعبِكِ
تُلاطفِين وجهَ الحجرِ، فيدفقُ نهر
وإذا الحجرُ فمٌ للقُبلة
تمسحين هَامَةَ الخائفِ، فيُصبحُ قُدوةَ الأحرار
تفتحين نافذةَ الرِّيح بالبِشَارَة.
أنتِ المُكبَّلةُ بأهلِكِ، بشعبِكِ
حَرَّركِ بآلامِكِ، حَرَّركِ
وها أنتِ في قُيُودِكِ محسودةً من المُلُوكِ والملكات
ها أنتِ في قُيُودِكِ
يا جمرَ الصَّلاةِ الدَّائم
تُبكِّينَني ذُمُوعَ العودة.
أُحبُّكِ فكيف لا أُحبُّ صَانِعَكِ
أُغنِّيكِ لنفسي، وأُغنِّيكِ عن العالم
فالتي تُعيدُني إلى سيِّدي تُعيد العالم
والتي تُحرِّرني وهي المُكبَّلةُ بأهلِها، وشعبِها
تُحرِّرُ العالم
والتي تلمسُني أنا المُعتَّق في الخطيئة نِعْمَتُها
تلمسُ نعمتُها العالم.
أيُّ عَلاءٍ جَعَلَ فيه النَّسْرُ وَكْرَه؟
وأيُّ صَخْرٍ جَعَلَهُ مَعْقِلَه؟
أيُّ بعيدٍ ترنو إليه عَيْنَاه؟
أيكونُ نَسْرًا وعلاؤُهُ مرفوعٌ بدمِ القَتْلَى؟
أيكونُ عظيمًا مَنْ يعلُو في الشَّمال ويهوي في الجنوب
ومَنْ يخترقُ الرِّيحَ، ولا تحتملُهُ وردة؟
أيكونُ ساميًا مَنْ يصعدُ، ليكمنَ بنَظَرِهِ، فيصطادَ البائسَ؟
يا حبيبتي، أنتِ عُصفُورةٌ بيضاءُ، وأنا عُصفُورٌ أبيض
أنتِ عُصفُورةٌ زرقاءُ، وأنا عُصفُورٌ أزرق
أنتِ عُصفُورةُ المعونة
عُصفُورةُ حنانِ العَيْنَيْن حين تنظران إلى السَّجين.
فليكُونُوا نُسُورًا في رُؤُوسِ الجبالِ، ووُحُوشًا في السُّهُولِ والأودية
وليُطوِّقُوا أعناقَهُم بالرَّعد، وخُصُورَهُم بالزَّوابع
كُنتُ معهُم أجمعُ الحطبَ لنُحرِقَ الغابة
وَتَرَكْتُهُم، فكيف أبقى معهم
وحبيبتي لا تعرفُ أنْ تَجْمعَ غيرَ شملِ الينابيع؟!
افتحُوا العيدَ، وغَنُّوا مع العاشق
أُقبِّلُكِ، يا حبيبتي، على كُلِّ جهة
فأعمدتُكِ مُحيطةٌ بي
لكنِّي دَعَوْتُهُم إلى العيدِ، ونَدِمْتُ
فَمَنْ حين تُطلِّين لن يقولَ آه
وهل أنا قويٌّ وصالحٌ حقًّا، فأحتمل غَيْرتي؟
الجبلُ أخفُّ حِمْلًا من الشَّوْق، الأرضُ أقصرُ من الغَيْرة.
أيُّ شَفَقٍ يشتهي الغوصَ كما أشتهيكِ
أيَّةُ مرآةٍ تشتهي أنْ تركضَ إليكِ كما أشتهيكِ
أيَّةُ صحراءَ تشتهي أنبياءَها كما أشتهيكِ
أيَّةُ استغاثةٍ تشتهي امتدادَ اليَدَيْن كما أشتهيكِ؟
وأغارُ
أدَّعي راحةً ورياحُ الغَيْرة تَسوقُني كالغبار
وأغارُ عليكِ خائفًا وظافرًا ومتأخرًّا
وأغار قديرًا، وأغار حقيرًا
ولكنْ، شقائي مَهول، فلا نهايةَ لما أغارُ عليكِ
وهل ينتهي ما دمتُ أرى؟
هل ينتهي العالمُ والناسُ وحُبِّي؟
ومِن عينَيَّ أغارُ
فَمَنْ ترين فيهما، ولا أراهُ؟
لو صَدَقْتُ، لخبأتُهما، وجلستُ وحدي
فلا يشتهون سُهُولَكِ في عَيْنَيَّ
ولكنْ، أينَ أختبِئُ؟ وَمَنْ أُضلِّل؟
آهٍ، لماذا لا أملكُ عَيْنَيَّ وحدي!
حصانُ غَيْرتي ينهبُني، وظِلُّهُ أمامَهُ يَستزيدُه.
وأنتَ، أيُّها الصِّدقُ، اِختَنِقْ
لماذا تجرفُني والمُصطادُون حَولي؟
تَسامَحْ
لا تَكْشِفْني، لِيسرِقُوني
لا تَعرِضْ غَيْرتي، ليتعلَّمُوا حُبِّي
سَاعِدْني، فأكتم
وسَاعِدْني
فلا ينفضحُ فيَّ المُستبدُّ المُقنَّع
لئلَّا تعرفَ حبيبتي مَنْ هناك
في عبدِها الكاذبِ الوادعة
الطامعُ هناك
يُمَزِّقُهُ جُنُونُ المُلْك
لئلَّا تَعرفُ
أنَّ الصَّارخَ ضدَّ آبائِهِ الجلَّادين، المُدَّعي خلاصًا من إثمِ التَّملُّك
قَلْبُهُ بَعْدُ قَلْبَان
ميراثُ الغَيْرةِ مربوطٌ حول عُنُقِه
ونَفْسَهُ تُشِعُّ وتُظْلِم.
سَاعِدْني، أيُّها الصِّدْق
تَرَفَّقْ بي
إلى أنْ أستحقَّها
إلى أنْ أُقبِّلَ غَيْرتي على جبينِ حصانِها الوَحشيَّ، وأُنهيَ النُّذُور
وأَفُكَّ طَوقَ الميراث
فلا أُعذِّبَ حبيبتي بالسَّطوة
لأنِّي أصيرُ عبدًا بقلبٍ واحد
حُرًّا دون انشقاق
أصيرُ عبدًا لسعادتِها
بقلبٍ واحد
قلبِ عبدٍ يخدمُها بقُلُوبِ الأحرار.
السَّاحرة
وتظنُّ نفسَها مسحورة
مِن طُغيانِ خُبِّها علَيَّ
أنا هي
ونخنقُ الحريقَ حولَ البيت
حيثُ ينامُ حُبُّنا
نخنقُ الحريقَ حولَ الأرض
حيثُ ينامُ طفلُنا
حيثُ هناك وَسْط كلِّ شيء
غُصنُ حُبِّنا
يُورِقُ الغاباتِ والأنهار
يُورِقُ السعادةَ
يُورِقُ الحُرِّيَّةَ
يُورِقُ زَهْرَ الخُبْز
يُورِقُ خُبْزَ الزَّهْر
وغُصْنُ حُبِّنا إليك
يَحملُ، يا الله
من قاعِ النَّهرِ الجريح
يحملُ العالم
ثمرةً
مُغتسِلةً بشَوكِ التوبة
يحملُهُ بفَرَحٍ إليك
والنَّهرُ ضحكة
ولونُها وردة.
هذه قصّّةُ الوجهِ الآخرِ من التَّكوين
أكتُبُها
بحِبْرٍ ضاع
أكتبُ عكسَ الكلمة
أكتبُ
عكسَ الذَّاكرك
وكُلَّ شيءٍ صار
كيف صار.
كيف ذَهَبَ إلى الموعد بلا لقاء
عوضَ أنْ يذهبَ إلى اللَّقاءِ بلا موعد.
كيف انحدرتُ
وما كُنتُ لأَصْعَد
وكرَّمُوني في الهاوية
فلماذا أصعد؟
عَبَدُوا مَآثِمِي، نَقَشُوا صُورَتي
وما كُنتُ لأصعد
كَتَبُوا الكُتُبَ، ولفَّني هتافٌ عظيم
فلماذا أصعد؟
وحين مَرَرْتِ فوقَ الجبلِ، واِنْحَنَيْتِ
أدركتُ أنَّ أحدًا لم يَنحْنِ من قبل
فوقَ هاوية.
ولم تقولي اصعدْ
ولكنِّي صَعِدْتُ
لأنّّكِ عالية.
وحملتُ الهاوية
فلمَّا رأتْكِ اعتَمَدَتْ في نهرِ الأردنِّ.
وَغَيَّرْتِنِي
كزنبقكٍ ارتميتُ عندَ قاعدةِ عرشِك
أنتِ الملكةُ وأنا الفقير
وماذا الملكةُ تطلبُ من فقير؟!
وأيَّة تضحيةٍ، ولم تفعلِيها؟
وأكبرُ تضحياتِكِ أنّكِ أجملُ النِّساء.
كيف أُعطيكِ، فلا يغرقُ عطائي في عطائِك؟
وماذا أُعطيكِ
يا صَمْتَ تَفَجُّرِ العطاءِ؟
ما أقلَّ حُبِّي يظُنُّونَهُ كالسَّيلِ، ولكنِّي عرفتُ أن صوتَهُ أكبرُ من صمتِه.
ما أهديتُكِ شيئًا إلَّا اهتدى بكِ.
كم أفهمُ الآن شهوةَ الماءة أنْ تذوبَ في المُحيطِ، شهوةَ المَمْلُوكِ أنْ يُمْلَكَ أشَدَّ، شَهوَة الغارقِ أنْ يَغْرَقَ أعمقَ، وكم أفهمُ حسرةَ الظِّلِّ أنهُ لا يَقْدِرُ أنْ يصيرَ أكثرَ ظلًّا!
يا امرأةَ الأصلِ والبَيِّنات
ماذا أُعطيكِ؟
تُلَوِّحينني بالضَّوءِ، وتَذُرِّينني في الطِّيْبة
تُشَمِّسينني في الحُقُولِ العالية
وتجعلِينني تينًا وعنبًا، لتفرحَ بي العصافير
مِن حُبِّكِ الشُّعْلَةُ الحنونةُ والقويَّة
من حُبِّك أكادُ قدِّيسًا
أصيرُ من حُبِّك.
أَصْغِ، يا ربُّ، إليَّ
من حُبِّها أجيء
هُم أعطوني عدوًّا، فنشبتُ كالرّمح
وحبيبتي نَشَبَتْنِي قوسَ قُزَح
هُم دفعُوني كانحدارٍ في العَتْم
وحبيبتي حَطَّتْ رِحَاليَ في الغاية
اختبَأتْنِي كعُصفُورٍ من العاصفة
وأَطَلَّتْنِي
أَطَلَّتْنِي كجزيرةٍ للرَّاصدِ في أعلى السَّارية
كراصدٍ في أعلى السَّارية صَاحَتْني: وَصَلْنَا! وَصَلْنَا!
من حنانِها آخذُ رِبَاطًا إلى الجميعِ، فيصيرون إخوك
أنا رعيتُ السُّوءَ، وحبيبتي رَدَّتْني
أنا تبعتُ الجوارح وأبراجَ بابل
ولاحتْ حبيبتي، فأصبحتُ صلاة
وحَفِظَتْنِي، فظهرتَ لي، يا ربُّ.
يا حبيبتي
أُقْسِمُ أنْ أكونَ لُعبتَكِ ومَغلوبَكِ
أُقْسِمُ أنْ أُحاولَ استحقاق نجمتكِ على كتفي
أُقْسِمُ أنْ أسمعَ نداءَ عَيْنَيْكِ، فأعصي حكمةَ شَفَتَيْك
أُقْسِمُ أن أنسى قصائدي، لأحفظَكِ
أُقْسِمُ أن أركضَ وراء حُبِّي، وأُقسمُ أنَّهُ سيظلُّ يسبقُني
أُقْسِمُ أن أنطفئَ لسعادتكِ كنُجُومِ النَّهار
أُقْسِمُ أنْ أسْكُن دُمُوعي في يدكِ
أُقْسِمُ أن أكونَ المسافةَ بين كلمتَي أُحِبُّكِ أُحِبُّكِ
أُقْسِمُ أن أرميَ جَسَدِي إلى الأبدِ لأُسُودِ ضَجَركِ
أُقْسِمُ أنْ أكونَ بابَ سِجنِكِ المفتوحَ على الوفاءِ بوُعُودِ اللَّيل
أُقْسِمُ أنْ تكونَ غرفةُ انتظاريَ الغَيْرةَ، ودُخُوليَ الطَّاعة، وإقامتي الذَّوبان
أُقْسِمُ أنْ أكونَ فريسةَ ظلِّكِ
أُقْسِمُ أنْ أظلّ أشتهي أنْ أكونَ كتابًا مفتوحًا على رُكبَتَيكِ
أُقْسِمُ أنْ أكونَ انقسامَ العالَم بينكِ وبينكِ، لأكونَ وَحْدَتَه فيكِ
أُقْسِمُ أنْ أُناديَكِ، فتلتفتُ السعادة
أُقْسِمُ أنْ أحملَ بلاديَ في حُبِّكِ، وأنْ أحملَ العالمَ في بلادي
أُقْسِمُ أنْ أُحبَّكِ دون أن أعرفَ كم أُحِبُّكِ
أُقْسِمُ أن أمشيَ إلى جانبي، وأُقاسمَكِ هذا الصَّديقَ الوحيد
أُقْسِمُ أنْ يطيرَ عُمري كالنَّحلِ من قَفِيرِ صوتِكِ
أُقْسِمُ أنْ أنزلَ من بَرْقِ شَعْرِكِ مَطَرًا على السُّهُول
أُقْسِمُ كُلَّما عثرتُ على قلبي بين السُّطُورِ أن أهتفَ: وَجَدْتُكِ! وَجَدْتُكِ!
أُقْسِمُ أنْ أنحنيَ من قِمَمِ آسيا، لأعبدَكِ كثيرًا.
يا ليلُ، يا ليلُ
اِحمِلْ صلاتي
أَصْغِ، يا ربُّ، إليَّ
أُغُرسْ حبيبتي، ولا تَقْلَعْهَا
زَوِّدْهَا أعمارًا، لم تأتِ
عَزِّزْها بأعماريَ الآتية
أَبْقِ وَرَقَهَا أخضر
لا تُشَتِّتْ رِيَاحَهَا
أَبْقِ خيمَتَهَا عاليةً، فَعُلوُّهَا سهلٌ للعصافير
عَمِّرْها طويلًا كأرْزَةٍ، فتمرُّ مواكبُ الأحفادِ تحتَ يَدَيْها الشَّافيَتَيْن
عَمِّرْها طويلًا كأرْزَةٍ، فتجتازُ أُعجوبَتُها مراكزَ حُدُودٍ بعيدة
عَمِّرْها طويلًا كأرْزَةٍ، فَتَتْبَعُها مثلَ توبَتي شُعُوبٌ كثيرة
أَبْقِ بَابَها مفتوحًا، فلا يبيتُ الرَّجاءُ في العَرَاء
بَارِكْهَا إلى ثلجِ السَّنين، فهي تَجْمَعُ ما تَفَرَّق
اُحرُسْ نُجُومَ عينَيْها، فَتَحْتَها الميلاد.
وها هو المَطَر
المداخنُ تَصْعدُ لاستقبالِ المجيء.
تُمطِرُ من قُبلة.
السَّماءُ أطلَّتْ
الأرضُ الصَّبيَّةُ أَرْبَتْ
المواسمُ تعلو
اِسمَعُوا دقَّةَ الحصاد
المملكةُ المُنقسِمَةُ اتَّحدَتْ
تاجُهَا الخُبُّ سلامٌ للملكة.
المُستحيلُ صارَ مَعيشَة.
تُمطِرُ من قُبلة
والمَنفَى ينهار
اُنفُضُوا على المنفى غُبارَ المَنْفَى
وتعالَوا
من أعماقِ اليأسِ ومشارفِ الصَّقيع
من أطلالِ الأمانيِّ، ورمادِ الصَّبر
تعالَوا
صِيْرُوني كما صِرْتُكُم
أوا شَفَّافُكُم
أنا مَنْ سَقَطَكُم ومَنْ نَجَاكُم.
حليبتي كَشَفَتْ عن الضَّائع
دلَّت على المّفقُود
الرَّسولةُ فازتْ بعُذُوبة
بشَفَقَة فازتْ على القُوَّات
وتَشْهَدُ تُعلِنُ العودة.
تعالَوا
المملكةُ مفتوحة
أسرابُ الحَسَاسِيْن عندَ بابِ المملكةِ تُسْرِع للتَّحيَّة
على بُعْدِ قُبلة، تقفُون من الباب
الكُنُوزُ وحيدة
الأرضُ وحيدة
الحياةُ وحيدة
تعالَوا
كَلِّلُوا رُؤُوسَكُم بذَهَبِ الدُّخُول
وأَحْرِقُوا وراءَكُم
أَحْرِقُوا وراءَكُم
أَحْرِقُوا العالَم بشمسِ العودة.