أبكيكَ حتى آخرِ الأبدِ
يا والدًا أغلى من الولدِ
يا صاحبًا قد كان لي مددًا
فغدوتُ بعدك دونَ ما مدد
لو تاجرُ الأرواح ساومني
لدفعتُ فيك حشاشةَ الكبد
لدفعت فيك بقيةً خفيتْ
من عمريَ المخبوء في الرصَد
فرضاك وحدَك كان معتمدي
وهواك وحدك كان معتقدي
وعليك وحدك طال بي حذري
لم يبقَ لي حذرٌ على أحد!
يا صاحبًا جمّاً بمفرده
ليس الصحابُ بكثرة العدد
وتخرّمتك يدُ الردى عمدًا
لتهدّ فيّ بقيّة العمد
وتخطّفتك سفينةٌ مخرتْ
قلبَ العُباب وقبّةَ الزبد
غابت فعيني موجةٌ سبحت
عن رحلة الربّان لم تَحِد
فعجبتُ كيف الصبحُ مؤتلقٌ؟
والشّمسُ! كيف الشمس لم تَمِد؟
جالدتُ فيك وجيعةً عظُمتْ
جلّت عن الكتمان والجَلَد
وذرفت فيك دموعَ ساقيةٍ
دارت ولم تحفل بمنتقد
لم يبقَ في عينيَّ مضطجعٌ
للدمع كي يرقا ولا السُّهُد
ولطالما استجديتُ ساكبةً
عبرَ الضحى سكبًا فلم تجُد
ثمل الدجى من طول ما هطلتْ
من لي بدمعٍ آخرٍ بغد!؟
الليلُ بعدك صار مقبرةً
تقتات من روحي ومن جسدي
أنكرتُ صمتَك حينما دهمت
فرأيت صمتك غاية الرشَد
وبمِحْجريك تلفُّتٌ قلقٌ
يتواتران كخفق مُرتعد
ولأنت منه ذبالةٌ شهقت
فوق الفِراش صبيحةَ الأحد
سُؤْلُ الصغار عليك أرهقني
وحنينهم قد فتَّ في عضدي
إن كان غادرَ أين مربعُه
أو كان سافرَ فيمَ لم يعد؟
فلمن أبوح وكنت منطلقي؟
فتّشتُ بعدك عنك لم أجد!
وبمن ألوذُ وكنت مدَّخري
قوَّمتَ من شعري ومن أودي؟
ولكم عهدتك خير متّئدٍ
فلِمَ رحيلك غير متّئِد!؟
يا والدًا أغلى من الولدِ
أبكيك حتى آخر الأبد