مرّ الشتاء فلم تَمِلْ قيثاري
وأتى الربيع فلم تبُح أوتاري
ومشيتُ في روض الخريف عشيّةً
حذرَ الضحى فتناثرت أزهاري
وسكبتُ في الصيف المودّع دمعةً
هطلت برغم شُواظها أمطاري
ولهثتُ في إثْر الفصول وفي الربا
خبّأت خابيتي بذات قرار
ووقفت أنتظر الصباح لعله
تخضرّ فيه سقيفتي وجداري
وتركت أغنيتي على شفة الذرا
عذراءَ لمّا تختمرْ بخِمار
عذراءَ خلف نوافذ الليل الذي
شبَّت نوافذه على الأسوار
ناحت على الفنن النحيل حمامةٌ
أحمامةٌ تبكي على أشعاري!
من نبّأ الورقاء في غسق الدّجى
أن الأليف غدا غريب الدار؟
كنا إذا نام الرقيب وسافرت
عنا عيونُ الشمس والأقمار
نحبو على هدْي الهديل وننثني
ونشدّ شدَّ العصبة السّمار
ونُريق من دمنا على درَج المنى
ونجود بالفِلْذات والأعمار
إن تأتنا نُنزلْك بين قلوبنا
في خير ناحيةٍ وحسن جوار
ونفضَّ مختوم الدنان عن التي
تُزري بكل شكيمةٍ ووقار
بِكْرٌ تُزَفّ لكلّ حُرٍّ عاشقٍ
غطّى هواك به على الأبصار
واليومَ ننتحل الصبابة والجوى
ونسوق آلافًا من الأعذار!
مال الغبيطُ فمن يقول لشاعرٍ
ما زال يجهل لعبة الأفكار؟
إنزلْ فقد عُقِر البعير ولم يعد
في البيد إلا كلّ ذي أظفار
واقرأْ كتابك لستَ أولَ قارئٍ
يتلو الكتاب ولست آخر قاري
صرنا بأسواق الكلام بضاعةً
راجت قوافلها بلا تُجّار
زعموا التسكّعَ في المواكب رايةً
حمراءَ تُسقى من دم الثوار
وتواثبوا فوق المقاعد وامتطوا
نُوقَ السِّباق ومُهرة السمْسار
جثموا على صدر القصائد عُنوةً
يتستّرون وراء كلّ شعار
مالوا فما ملنا ومن ذا يدّعي؟
أنا نهزنا دلونا في القار؟
شرُفَتْ ضمائرنا وجلّ يراعنا
أن يرتدي يومًا ثيابَ العار
بيضُ الصحائف لا يشوب كتابنا
إلا الذي في الكُتْب للأبرار
يا شعرُ إني قد مهرت قصيدتي
بدمٍ غمست نقيعَه في النار