قتلتُ هوى نفسي فعشت بلا نفسِ
وجافيت أُنسي فانحدرت إلى الأنسِ
ولم أُبد أَمري للعباد فطالما
كتمتُ الذي ألقى عن الجنِّ والإنس
وأدركت بالوجدان سرَّ أحبَّتي
وعاينْتُ آياتِ اليقين بلا لَبْس
وعشت زماني لست أحفِل بالورى
وكيف وقلبي هام في مشهد القدس
وعلَّمتُ غيري ما أفدتُ من الهدى
فلم يبقَ ذو فَهْمٍ لديَّ على طَمْس
إذا وُسِّد الناسُ القبورَ فإنّني
جعلت التُّقى والذِّكر بين الورى رمسي
ولم أخشَ من بأسٍ ولم أخش طاغيًا
ومن يخشَ ذاتَ الله لم يرَ من بأس
وهل غيرُ ذاتِ الله للنّفس مطلبٌ؟
حرامٌ سوى الرّحمن يدخُل في نفسي
وتوَّجت بالقرآن نفسي عقيدةً
أصون به نفسي عن الزَّيغ والدَّسّ
وما اتّخذتْ روحي سوى اللّه غايةً
فتمَّ الهدى للروح والقلب والحسِّ
وإن شرِبَ الناس الطِّلا وتصبّبوا
فسنّةُ خيرِ الخلق في شُربها كأْسي
وإن رفع المثرون عُجْبًا رؤوسهمْ
رفعتُ بذكر الله فوقَ الورى رأسي
وإن جعلوا الشمس اهتداءً ليومهم
جعلت رضا ربّي وآيتَه شمسي
وإن غرسوا زرعًا لنَيْل حصاده
فتقوى إله العرش بين الورى غَرْسي
تعشَّقْت نور الله وهو بصيرتي
وقد وضَح البرهان من آية الكُرْسي
ومذْ شاهدَت روحي جلالَك وارتقَتْ
تجرَّدْتُ عن معناي في عالم الحِسّ
أحبُّك يا ربِّي محبةَ مُوقنٍ
ومن قوّة الإيمان أُصْبح أو أُمسي
فؤاديَ قد أبعدْتُ عن مشهدِ الورى
فطُهِّر في نجواك من ظلمة الرِّجْس
أطوف على الأبواب قلبيَ موجَعٌ
وليس سوى رُحماك للقلب من نِطْس
وأعدمني في الحبِّ علْمي بقدْره
فليس غرامي فيه يُدرَك عن قَيْس
ولم أعشقِ الدّنيا فتلك مجازةٌ
تهيّئ للأخرى وفي فَوْتها عُرسي
لقاؤك يا رحمنُ عيدي وعُدّتي
ونورك غيثي وهو لي في الورى أُنسي
وبحرُك منه قد لقيتُ جواهري
بشاطئه سُفْني على لُجِّهِ غَطْسي
وطيبُ الورى وَرسٌ ومِسْك وعنبرٌ
وطيبيَ من مَحْياك أسْمى من الوَرْس
ولست من الدّنيا أميلُ إلى العلا
فإنّ علا الدّنيا لأصحابه يُنْسي
أمتِّع أعضائي بذكرِك دائمًا
وهل غيرُ ذكرِ الله يسكنُ في نفسي؟
وكلّ رجائي أن أحبَّك صادقًا
إذِ الصّدقُ في الوجدان مرتبةُ القدس
وما فضله وقفٌ على أيِّ عالمٍ
وحقِّك ما حُدّ العطاءُ على جنس
إذا رضيَ الرّحمن عن قلب عبده
جرتْ مركب الأقدار معْه على اليُبْس