عَرَفْتُكَ من صهيلِكَ في خيالي
فقِفْ لنُضِيءَ مصباحَ الجدالِ
أَنِخْ كلَّ القصائدِ؛ ثُمَّ هَيِّئْ
لنا يا (صاحِ) مائدةَ السِّجالِ
هناكَ سنستريحُ على (عسيبٍ)
من الرُّؤيا، ونسرحُ في الأعالي
ونمزجُ من خواطرِنا حكايا
بنكهةِ قهوةٍ ومزاجِ هالِ
وما بيني وبينكَ ألفُ ظِلٍّ
فرَافِقْني بمملكةِ الظِّلالِ
نُطَيِّرُ هُدهُدًا في كلِّ عَصرٍ
ليَأْتِيَنا بأنباءِ الجَمالِ
لنا (ضادٌ) نُطَبِّبُها ونحنو
عليها في خريفِ الاكتهالِ
سينقرضُ (الهُنُودُ السُّمْرُ) ما لمْ-
تَعُدْ لجلالِها لغةُ الجلالِ!
غريبانِ الْتَبَسْنَا في المرايا
إلى حَدِّ انبعاثِكَ من خِلالي
خُطايَ صدَى خُطاكَ وإنْ تناءى ال
مَدَى بين ارتحالِكَ وارتحالي
جناسٌ ناقصُ الأركانِ بيني
وبينكَ، حالمٌ بالاكتمالِ
نهاجرُ والدَّمُ البدويُّ يغلي
بِنا، وكأنَّهُ شِعرُ ارتجالِ!
وتنبو حِيلَةُ العَرَّافِ عَنَّا
فيُخطِئُ في التَّنَبُّؤِ بالمَآلِ
أعارتنا الغضَى هضباتُ (نجدٍ)
مواقدَ للعَشِيَّاتِ الطِّوالِ
ومِنْ (رَيَّا القَرَنْفُلِ) ضَمَّخَتْنَا
نُسَيماتُ (الصَّبا) ذاتَ انثيالِ
نُضِيءُ فتَستَضِيءُ بنا (الثُّرَيَّا)
ويستهدي بنا (نجمُ الشمالِ)
ونصطادُ الرؤوسَ بكلِّ سهمٍ
رَمَاهُ (البُنُّ) من قوسِ (الدِّلالِ)
قصائدُنا السِّلالُ وما حَمَلْنَا
سوى الأوطانِ في تلك السِّلالِ
على أرضِ (الحجازِ) لنا مجازٌ
كَشَفْنَا فيهِ أسرارَ الأعالي
وفي أرضِ (اليمامةِ) نَمَّ عَنَّا
يمامُ (الوَشْمِ) بالنَّغَمِ الزُّلالِ
إذا أَمْلَتْ علينا الرِّيحُ عِطرًا
قَرَأْنَا (الشِّيحَ) في تلك الأَمالي
نَبَتْنَا في برارينا (أَرَاكًا)
تلوحُ عليهِ سيماءُ الرجالِ
فلا طابتْ مساوكُنا إذا لمْ-
يُطَيِّبْ عُودَها طيبُ الخِصالِ!
نُحِبُّ؟! بلى نُحِبُّ؛ وكَمْ جُرِحْنَا
بهَمسِ (عباءةٍ) ورفيفِ (شالِ)!
وأطولُ ما يَظَلُّ الحُبُّ حَيًّا
إذا ما جاءَ في شَكْلِ اغْتِيَالِ!
غريبانِ الْتَبَسْنَا في لقاءٍ
أثيريٍّ، ب(مُنعَرَجِ) الخَيالِ
كِلانا في سوادِ الوقتِ أَلفَى
مَجَرَّةَ عُمْرِهِ ذاتَ اخْتِلالِ
كنانتُكَ القديمةُ أَورَثَتْنِي
من الأحلامِ مشروخَ النِّبالِ
ولم تصنعْ بنا الرَّغباتُ إلَّا
كواكبَ آيِلَاتٍ للزَّوالِ
فإنْ تَكُ للهوى جُرحًا فإنِّي
أُصالي من نُدُوبِكَ ما أُصالي
أراوغُ صحوةَ الكهنوتِ حولي
وما حَشَدَ الزمانُ من السَّعالي
وما بين (الدَّخولِ) وبين قلبي
بكى كلُّ المُحِبِّينَ الأوالي
أنا (تغريبةٌ) في كلِّ حُزنٍ
يُراوِدُني بصومعةِ اعتزالي
فما بعد (الجزيرةِ) من مكانٍ
يطيبُ هواؤُهُ ل(بني هلالِ)!
تشابهتِ القوافلُ والقوافي
فما جُمَلِي بها إلا جِمالي
وما (الأَلِفُ) الذي يمتدُّ زَهوًا
سوى ثوبي، و(هَمْزَتُهُ) (عِقال)ي
فخُذْنِي يا سنامَ الشِّعرِ..خُذْنِي
(مُعَلَّقَةً) من الشَّجَنِ المُغالي
كِلَانَا مَحْضُ كبريتٍ وزَيتٍ
فعَانِقْني اشتعالاً باشتعالِ
أُعِيذُكَ من عناقٍ في مداهُ
تميلُ على حبيبٍ عنكَ سالِ!
لنا النَّزَوَاتُ خضراء التَّمَنِّي
لنا الخَلَوَاتُ حمراء الفِعَالِ
مَثُلْنَا في الزمانِ وما امْتَثَلْنَا..
وما أشقَى المُثُولَ بلا امتثالِ!
تُفَرِّقُنَا السنابلُ في الليالي
وتجمعُنا المناجلُ في الغِلالِ
وتستبقُ العصورُ لنا إذا ما
أَشَرْنَا يا قصائدَنا: (تَعَالِي)
تَلَفَّتْ يا غريبُ إلى غريبٍ
رهينِ الاستعارةِ والمِثَالِ
وحَدِّثْني عن (الضِّلِّيلِ): ماذا
أصابَ من الضَّلالاتِ الغوَالي؟!
وماذا غيرَ أسرارِ القوافي
تُخَبِّئُ من كنوزِكَ في الرِّحالِ؟!
وكيفَ مشيئةُ الشُّعراءِ تكبو
وتعلقُ بين أشراكِ المُحالِ؟!..
دنا منِّي، وشَمَّرَ عن كلامٍ
تَبَعْثَرَ بين نَوْبَاتِ السُّعالِ
وشَفَّ عن الحقيقةِ عبرَ وجهٍ
هزيلٍ مثل وجهِ الاحتمالِ...
دنا منِّي وحين اسْتَدْرَجَتْنَا
مشاعرُنا إلى النجوى.. دنا لي!
وأَجْهَشَ خلفَ (جُبَّتِ)هِ ففَاضَتْ
بِ(سُمِّ) الغَدْرِ، وانْكَشَفَتْ حِيالي!
فقُلْتُ لهُ: اتَّئِدْ.. ما ثَمَّ عصرٌ
نجا من داءِ (قيصرِهِ) العُضالِ
ومُدَّ إليَّ سَمْعَكَ مثلَ كأسٍ
لِيَسْكُبَ ماءَ جَرَّتِهِ سُؤَالي:
لماذا بعدَ تَرْشَافِ العَذَارَى
تَرَشَّفْتَ الدماءَ ولم تُبَالِ؟!
ويا قمرَ العروبةِ كيف أَلْقَتْ
بِكَ الأيَّامُ من أَلَقِ التَّعالي؟!
وكيفَ ضَلَلْتَ نحو (الرُّومِ) دربًا
وأرشدتَ الملوكَ إلى الضَّلالِ؟!
لُعِنْتَ! أتَبتغي في الأرضِ مُلْكًا؟
وبين يديكَ مملكةُ الجَمالِ!
أخا العَرَبِ الخوالي.. عِمْ بكاءً
وتَعْزِيَةً على العَرَبِ التَّوالي
فمنذُ (قِفا...) وما زلنا وقوفًا
على قَدَمَيْ بكاءٍ وابتهالِ
لنا في كلِّ قافيةٍ (حصانٌ)
يُدَرِّبُ (أَيطَلَيهِ) على الهُزالِ
(حصانٌ) ما تَبَقَّى منهُ إلَّا
(مِفَرٌّ.. مُدبِرٌ) يوم النزالِ
وما في الوقتِ (أَمْرٌ) بعد (خمرٍ)..
لقد تَعِبَ النضالُ من النضالِ!
قطيعُ همومِنا ما زالَ يجترُّ-
ذاتَ الإِثْلِ في المرعَى الوَبالِ
ولَيْلُكَ ليلُنا الأبديُّ أَلقَى
هواجسَهُ على كلِّ الليالي
وتلكَ (الجُبَّةُ) الأُولى دليلٌ
على غَدْرِ الأواخرِ والأَوَالي
تعالَ معي إلى غَزَلٍ شجيٍّ
يُخَفِّفُ وطأةَ الحِقَبِ الثِّقالِ
نخطُّ إلى كمالِ الأُنسِ دربًا
يسيرُ بنا إلى أُنسِ الكمالِ
ستخبو (النارُ) ثانيةً وينجو
(خليلُ) الحُبِّ من حقدِ (السَّحالي)
وتنقدحُ البروقُ لنا، ويهمي
علينا سلسبيلُ البرتقالِ
تعالَ.. نُهدهد القَلَقَ المُكَنَّى
ونَرفَعُهُ خفيفَ البالِ عالي
تعالَ.. نعيدُ رسمَ الليلِ (بحرًا)
ونصنعُ من هواجسِنا لَآلي
وضَعْ ما في يمينِكَ من حنانٍ
على النبضِ المُرَابِطِ في شمالي
كِلانا العاشقُ الضِّلِّيلُ لكنْ
لَكَ القمرُ المنيرُ ولي هلالي
خَبَالًا يا (امْرَأَ القيسِ) انْعَطِفْ بي
لِ(دارةِ جُلجُلٍ) أحيا خَبَالي
وشَاطِرْنِي هنالكَ ما تَبَقَّى
بإبريقِ المَسَرَّةِ من ثُمَالِ
وعَبِّئْ كأسَ فَألِكَ؛ ثُمَّ دَعْنِي
على عَجَلٍ أُعَبِّئُ كأسَ فالي
سريعًا هذهِ الأعمارُ تذوي..
سريعًا مِثلَ وَردِ الاحتفالِ!
لنا عَبَثٌ مع الدُّنيا، فلَسْنَا
بمُنتَجَعِ الحياةِ سوى (عِيالِ)
حلفتُ ب(نُونِ نِسوَتِكَ) اللواتي
قضمنَ حقولَ قلبِكَ بالمِطالِ
وداليةٍ سكرتَ بها، ولَمَّا
أفقتَ أدرتَ ظَهْرَكَ للدَّوالي
وما لكَ في الهوى من عنفوانٍ
وما للعنفوانِ من الجلالِ...
حلفتُ بأنَّ جَمْرَكَ لم يُبَارِحْ
مواقدَهُ بأَضْلُعِيَ الصِّقالِ
فعُدْ؛ نحتلّ أحلامَ الصبايا
ونُلْقِيهِنَّ في أشهىَ احتلالِ
لنا في العشقِ أسلحةٌ كثارٌ
وأجملُها سلاحُ الاحتيالِ
أُحِسُّ (غديرَكَ) النشوانَ يجري
بأعماقي أَشَفَّ من الزُّلالِ
وثَمَّةَ من صبايا الماءِ سِربٌ
يَحُوطُكَ في مباهجِ كرنفالِ
غَسَلْتَ على (الغديرِ) قميصَ حُبٍّ
فعَلَّقْتَ النساءَ على الحِبالِ
تهبُّ عليكَ عاصفةُ الأماني
وقلبُكَ في الفلا قلبُ الغزالِ
وأنتَ غوايةٌ فُصحى أذابتْ
من الصحراءِ أحشاءَ التِّلالِ
وأَوَّلُ مَنْ أعارَ (الضَّادَ) كُحْلًا
وأَلْهَمَهَا طقوسَ الاكتحالِ
تُسَخِّنُ بالصبابةِ كلَّ تَلٍّ
فتندلقُ السخونةُ في الرِّمالِ
غزوتَ أَسِرَّةَ الشُّرَفَاءِ حُلْمًا
فلم تتركْ سريرًا منكَ خالي
وأكبرتَ القصيدةَ أنْ تراها
تُرَتِّبُ شهوةَ العشقِ الحَلَالِ
تَمُرُّ بكَ الخواطرُ وَهْيَ ظمأى
فتسقيهنَّ بالغَزَلِ المُسَالِ
ولم تَزِنِ القصائدَ قَطُّ إلا
على وَقْعِ الخلاخلِ والحِجَالِ
كأنَّ بكلِّ (بيتٍ) خطوَ أنثى
تُضيفُ إليهِ قافيةَ الدَّلالِ
وعُنْقُكَ بين أعناقِ القوافي
تطاردُهُ الصوارمُ والعوالي
عَزَفْتَ هناكَ إيقاعَ التَّصابي
على وَتَرٍ، وإيقاعَ القتالِ
فأينَ وجدتَ طَعْمَ العزفِ أحلى
بمُعْتَرَكِ الوصالِ أَمِ النِّصالِ؟!
أراني حين أسمعُ ما أذاعتْ
رياحُكَ من قصائدِها الطِّوالِ
أراني بين قافيةٍ وأخرى
أكابدُ فيكَ (حالاً) بعدَ (حالِ)
تَدُسُّ أصابعَ الهذيانِ ما بينَ-
أحلامي، وتعبثُ في خيالي
وأشقَى كلَّما روحي أفاقتْ
على (أمواجِ بَحرِكَ) في (انسدالِ)
تجوسُ خيولُ شِعرِكَ في ضلوعي
وتَصْدُرُ عن نتوءاتِ الجِبالِ
وخمرةُ أبجديَّتِكَ اسْتَدَارَتْ
بنَشْوَتِها الطَّروبِ على قَذَالي
وغزلانُ انفعالِكَ حيثُ هاجتْ
تكادُ تهيجُ غزلانُ انفعالي
ونكهةُ خمرِكَ الدَّهْرِيِّ تسري
من الكلماتِ حتَّى صَفْوِ بالي
كفاني من دِنَانِكَ أنْ تُصَفِّي
بياضَ العُمْرِ في سُودِ الليالي