تخطَّ إلى المحتوى

أرى في غربة الانسان سجنا

الوافر

٩٣ بيت

المتفرقات

أرى في غربة الانسان سجناً

فكيف بسجن انسانٍ غريب

أبشّر عند فتح الباب نفسي

بان ستفوز بالفتح القريب

فمن لي ان أرى يأساً مريحاً

يخلّصني من الأمل الكذوب

سأقتل حيّ أمالي سريعاً

وأرجع منه ذا سيفٍ خضيبِ

فإن لخادع الآمال عقبى

تزيد مرارة القلب الكئيب

وإن لوامع الآمال آلٌ

يزيد المحل في القفر الجديب

سيمسكني وقار اليأس كيلا

أراني لعبة الأمل اللعوب

وأغضي عن سنا الآمال طرفي

وأدخل ظلمة اليأس الرهيب

فإن أشعّة الآمال تحكي

نضالاً واخزات للقلوب

تقّطب لي السما بالسحب وجهاً

كأن لم يكف دنياها قطوبي

وتبسم لي البروق بها وكم لي

بسحب النفس من برق خلوب

سحائب بارقات بالأماني

ولكن باخلات بالسكوب

تسامرني همومي في الدياجي

ويطربني فؤادي بالوجيب

فكم في السجن من ليل غضوب

وكم في السجن من يوم عصيب

وزاد عليّ ضيق السجن أني

حُرمت به من الخلّ الأريب

فأدعو الله تعجيلا بفكٍّ

لسجني او بسجن فتىً لبيب

تمنيت الزيارة من قريب

وان تلك زورة الأجل القريب

وخدامٍ قساةٍ أغبياءٍ

ضعافِ العقل أموات القلوب

أشاهد منهم الأطماعَ حولي

تدور تكاد تأكل لي جيوبي

كأني ساكنٌ قبراً أُغذّيٌ

به الحشرات من شتى الضروب

كأن عيونهم حشرات نهش

طلعن عليّ من خلل الثقوب

أفتش لا أرى حولي حبيباً

وكم شاهدت حولي من رقيب

أجيل بهم عيون أخي وثوقٍ

فألقى منهمُ نظر المريب

هم الخلان لي لا عن وداد

هم الأعداء لي لا عن ذنوب

نفوس قد رَبين على عيوبٍ

فما يحسسنَ بالأمر المعيب

ومن ينمى الى عيب تحرّى

عيوب الناس يبحث عن نسيب

وكم قد غرني مرأى نجيبٍ

بهم فنكبت بالمرأى النجيب

فما في برقهم إلاّ عماء

وما في سحبهم غير القطوب

سأبعد عنهم الآمال حتى

تجيء إليّ بالغدق السكوب

نهاري من عبوس السجن ليلٌ

وليلي الف ليل من كروبي

اذا مالت ذكاء الى غروبٍ

أرى نفسي تميل الى الغروب

أفتش في ظلامي عن رجاء

فأدخل في ظلام من غيوب

وأبحث فيه عن حدس مصيب

فأعثر منه بالسهم المصيب

ألا يا ليل ليتك لم تسارع

وليتك ضعت في أقصى الدروب

وليتك قد عثرت بلا مقيل

وليتك قد دعوت بلا مجيب

وليتك اذ عثرت عراك كسرٌ

برجلك لم يصادف من طبيب

تسارع في خطاك إليّ شوقاً

مسارعة المحب إلى الحبيب

وتلقي كل رحلك فوق صدري

وتجثم فوق قلبي كالخطوب

تجدّ السير منذ الصبح نحوي

فتهجم هجمة الأسد الغضوب

لبست من النهار الغضّ ثوباً

لتخفى عن عيون المستريب

أراك وانت في لونين تبدو

تسير من المغيب إلى المغيب

كأنك حية رقطاء تزهو

بثوب دجىً وثوب ضحى قشيب

تبدّل ثوبها في كل ليل

لتجلو حسنها عند الحبيب

ألا يا ليل كم لك من شباب

وكم لك كلّ صبح من مشيب

تشيب بشيبك الأكوان لكن

شبابك لا يعيد شباب شيب

أقول بكل صبح سوف تفنى

متى أبصرت فحمك من لهيب

اذا بالفحم ينضب باشتعال

وما لمعين فحمك من نضوب

ستبقى بعد أن تفنى شموس

إلى ما شاء علام الغيوب

ألا يا ليل كم لك من خطوب

وكم لك في الجوانح من ندوب

أتلبس مثل رهبانٍ مسوحاً

وقلبك قلب شيطان رهيب

فكم وسعت ثيابك من أفاعي

همومٍ مقلقات بالدبيب

وكم ضمت عقارب من وشاة

بألسنةٍ لوادغَ للقلوب

وكم أخفت شروراً كالضواري

محدّدة المخالب والنيوب

فلو خلعوا ثيابك عنك أبدت

إلينا كل أنواع العيوب

يلوح إهابك الضافي ظلاماً

ويخفي شكل حيوان عجيب

فيا لك شكل حيوان عجيب

تضمّن الف حيوان غريب

كأن الليل جبار عظيم

أصيب بألف مكروب مهيب

وما المكروب فيه سوى هوامٍ

وآسادٍ ووحش فلا وذيب

وإجرامٍ وأحقادٍ تنزّى

وأوهام ودمع نوىً سكيب

وأحزانٍ وإجرام ٍويأس

وذكرى عاشق وكرىً سليب

وأشباحٍ و أرواحٍ و جنٍ

وبومٍ مفزعات بالنعيب

أصيبَ بتلكم الآفات لكن

صحيحاً عاش ذا عود صليب

أيا فيلا يمدّ بكل يوم

على الأكوان خرطوم الغروب

فيشرب كل نور ثم يلقي

مجاجاً للدجنّة والخطوب

أجبّار الظلام لأنت عبدٌ

وإن أوتيت سلطان الشعوب

أرى حر النهار يخاف من أن

يراك لذاك يسرع بالهروب

تنام على سواعدك البرايا

فترضعهم بمسموم الحليب

وتغمرهم بأحلام كذاب

وتسقيهم من الرنق المشوب

تهدهدهم بصمتك وهو يحكي

زئيراً صكّ اسماعَ القلوب

وتطبق جفنهم رعباً ليغفوا

متى قابلت بالوجه الغضوب

كأن الأفق شدقك رحت منه

تكشر عن نجوم كالنيوب

مرّبي العالمين لأنت باق

وكم خنقتْ اكفك من ربيب

ألا يا ليل حسبك ليل سجني

وحسبك عن كروبك لي كروبي

كرهت القبر بعد الموت سجناً

وعفت اللبث في الوطن الخصيب

فما أرضى ولو في الخلد حبساً

ولو ما بين ازهار وطيب

أيحبس من يجرّم أي حبس

وكل مناه تحرير الشعوب

أيحبس شاعر حر رقيق

تضايقه النسائم بالهبوب

يرى من جسمه سجناً عليه

يكاد يهمّ منه بالوثوب

رأيت السجن مجتمع الزوايا

ولا كالسجن للرجل الأديب

وكيف يطيق ضيق السجن حرّ

يضيق به فضا الكون الرحيب

رهين المحبسين ضنىً وفقرٍ

وأُحبَسُ؟ : جلّ ذلك من نصيب

لئن أسجن فما الأقفاص إلا

لليث الغاب أو للعندليب

ألا يا بلبلاً سجنوك ظلماً

فنحت لفرقة الغصن الرطيب

كلانا من تألمه يغني

فننعش صاحب القلب الطروب

لقد أصغى الخليّ إلى غنانا

و لم يسمع به نغم النحيب

ولو أصغى لنغمتنا مليّاً

لذاب بذلك النغم المذيب

و يا ليت الشرى سجنوك مثلي

لدُن خافوا وثوبك أو وثوبي

لئن كشّرت للهيجاء ناباً

فأقلامي تكشر للحروب

كلانا صاحبا صمتٍ مهيب

كلانا صاحبا وجهٍ رعوب

أدبّ على الثرى ضعفاً ولكن

أرى الجبناء يقلقهم دبيبي

تُراع حلومهم لصدى عظامٍ

ضئيلات تقضقض في جنوني

أعّبس للضنى فيخيف قوماً

عبوسي ثم يشحبهم شحوبي

فكيف بهم اذا سمعوا زئيري

وكيف اذا أكشر عن نيوبي