رويدكَ واستصْحِبْ رفيقًا من الصبرِ
على ما ترى أين المفرّ من الدهرِ
أتاح لنا جيشين جيشًا مجاهرًا
وجيشًا يصيب المرءَ من حيث لا يدري
إذا ما تعاهدنا على الأمنِ مرّةً
تبادرَ من بعد التحالف بالغدر
يرود الورى في كل حينٍ فيصطفي
أماثلَهم للنائبات من الشرّ
فيسقيهمُ كأسَ المنون كأنه
يحاذرُ منهم أن يفوقوه في القدر
كما أنه لما رمى أسهمَ الردى
إلى أهلِ هذا العصرِ ما أخطأَتْ «فكري»
لعمري كأنّ الموت لم يغشَ ميِّتًا
سواهُ ولم يسمع له الناسُ من ذِكْر
كثيرٌ ولكن ليس في الألف واحدٌ
إذا مات أو ما مات يخطرُ بالفِكر
وذلك عبدالله واحدُ دهرهِ
لقد كان من بين الورى غُرّةَ العصر
لعمرك لما مات ماتتْ لموتهِ
مزايا حِسانٌ لا يحيط بها حصري
فأصبَحَتِ الآدابُ قد جفّ ماؤها
وأمسك عنها مُزنُها جيّد القَطْر
وألوتْ رياح الحادثات بروضِها
وأفنانها الخضرِ الموشّاةِ بالزهر
فمن بعد عبداللهِ يرأب شأنها
كما كان في مصرٍ وفي سائر القطر
به كان بنيانُ المعارفِ شامخًا
وكانت به تختالُ في حلّة الفخر
موشّىً حواشيها بآيات فضلهِ
تآليفِهِ الحسنى وآثارِهِ الغُرِّ
بها سارتِ الركبانُ في كل وجهةٍ
وصار بها وجهُ الحكومةِ كالبدر
فقد كانتِ الأفكارُ طوعَ يمينه
يقلّبها ما شاء بطنًا إلى ظهر
ومنثوره كالدرّ سُلَّ نظامهُ
ومنظومه عِقدٌ تلألأ في النحْرِ
ومنطقه عذبٌ إذا ما سمعتَه
تميل كنشوانٍ تعلّل بالخمر
وإن خطب الأقوامُ في الخطْب أطرقوا
له كرسولٍ قام بالنَّهْيِ والأمر
فهذا وهذا قد تقضّى زمانه
وأُدخِل في قبرٍ إلى آخر الدهر
فيا أهلَ هذا الفنّ شُقّوا جيوبكم
وصُبّوا عليه الدمع في جانب القبر
قد انشقّتِ الأقلام حزنًا لفقده
ولطّخ أثواب المحابر بالحبر
ورقّت له الأوراقُ حتى تمزّقتْ
وقد رفعت أيدي المتارب بالحفر
وليس انشقاقُ الجيب يكفي فإنه
حقيقٌ بشقّ القلب من داخل الصدر
وأن تُرسل العينان دمعَهما دمًا
لِيُطْفا به ما في الفؤاد من الجمر
سلوا إن جهلْتم من خبيرٍ مجرّبٍ
ولا تسألوا من لم يجرّبْ ولم يدرِ
فهذا وإن كان الأفاضلُ في الورى
كثيرًا كماء البحر غاض من البحِر
فقدناه فقدانَ الحياة وليْتَنا
فديناه من أهل الدرايةِ بالشطر
فقدناه نرجو أننا نلتقي غدًا
ونسمعه يُثني على الله بالشكر
هنالك ترتاح القلوبُ من الجوى
وأكبادُ محزونين ملّتْ من الصبر