سهمٌ أصاب فؤادَ العلم والأَدَبِ
فأقفر الرّبعُ من صنّاجةِ العَرَبِ
وفجّر الدمع من غرْبِ العيون دمًا
فمادت الأرضُ مما حل من كَرَب
وبات طيرُ الربا أسوان في لهف
تكاد أحشاؤُهُ تنشقُّ من لهب
مجالسُ الفضلِ عادت وَهْيَ خاليةٌ
من دارة العلم والإحسان والحدب
نعاك ناعي الرَّدى في الهول فانفرطتْ
عقودُ قوم من الأنات والوصب
يا قَبْرُ غيّبْتَ آمالاً مجسّمةً
كانت حمى لذوي الآلام والعطب
يا راحلاً قد خلا في الدهر موضعُهُ
كنت المؤمَّل أنت الغيث في السُّحب
قد كنت في الخير غَيْثًا هاطلاً أبدًا
فصوّح النبت بعد العز والنشب
تُغيثُ كلَّ لهيفٍ من مضرّتهِ
من بعد ما ذاق ألوانًا من التَّعب
يا حافظَ الودِّ يا من شأنُه عَجَبٌ
مما يقدّم من عطف لذي النوب
خلائقٌ قد صفت من أصل فطرتها
كما صفا الدرُّ في عقد من الذهب
في منبت العز قد طابت أرومتُكمْ
فأنت والحَسَنُ البصريُّ في نسب
أقمتَ للمجد صرحًا شامخًا أبدًا
فوق المجرّة فوق السَّبْعةِ الشُّهب
يا حافظَ الودّ والتّيجا[نيّ] نسبته
لكنه بين أهل الأرض في حسب
أنت الضّياء إذا ما الشمسُ قد كَسفَتْ
فتبعث النّورَ يهدي كلّ مغترب
أسمى من الجوهر المكنون منزلةً
كما سما المسك بين البان والحطب
العلمُ أعطاك صفوًا من مواردِهِ
لتطبع النّاسَ بالأخلاق والأدب
حَفّتْ به فتيةٌ طافت بروضته
من كلّ عالٍ من الألقاب والرتب
تراه ك«ابن معين» في حصافته
أو ك«ابن حَنْبلَ» بين السادة النُّجُب
أو «السخاوي» بضوءٍ ساد أمَّتَهُ
بل إِنه ابن عديمٍ في ثرى حلب
علم الحديث رفعت اليوم رايته
خفاقةً في سما الأجيال والحِقب
كم أسهرَ العين في تِبيان مُعْضِلةٍ
يلقِّن الناس من أخلاق خَيْرِ نبي
العمر دورة أفلاك مقدرةٌ
حتى يقشَّع عنها ساتر الحجب
من بات في حيه جذلانَ مغتبطًا
فليرتقب حدثًا يقضي على الطرب
جَدَّ الردّى نحو باب الشيخ في لَهَفٍ
كأنه قانصٌ يشتدُّ في الطلب
إذا قضى الله فالأقدار غالبةٌ
من ذا الذي لم يطع يوما ولم يجب
سَلِ المضاجعَ عمّن بات يهجرُها
في لذة العلم طوّافا على الكتب
سَلِ البُخاري وسلْ كل الصحاح تُجِبْ
بأن حافظَها قد مات في رجب
أنجبْتَ أحمد في أصفى شمائِلهِ
قد بَزَّ أقرانه في الخير والحَدَب
إذا ادّعى الناس مجدًا سدتَهمْ شَرَفًا
أو عزَّ آباؤهم قدَّمتَ خيرَ أب
هذي الجموع أتت تبغي مبايعةً
يا أحمد الفضل عن طَوْع وعن رغب
قد بايعوك بعهد صُنْهُ في ثقةٍ
وخذ بأيدي الورى للخير واصطحب
ليعلم الشيخ أنا سادةٌ صُدُقٌ
نرعى الوداد بلا خُلْفٍ ولا كَذب
نم هادئ النفس في أرض الخلود فقد
أرضيْتَ ربّك فيما جئت من قُرَب