تنكَّرتِ الأيامُ واستعجمَ الدهرُ
وقد ملأ الدنيا التعسُّفُ والغدرُ
وجاشتْ نفوسُ الناس غضبى وإنما
لغير مروءاتٍ أطاح بها الوغر
فقتَّلَ بعضُ الناس بعضًا كأنما
بغاثٌ سواد الناس والسائدُ الصّقر
بل الوحش لا يسطو على الوحش مثلهم
وفي صدرهم غِلٌّ وفي قلبهم غمر
تُضَرِّيهمُ الأطماعُ والحيف والعدا
ويدعوهمُ للفتك خُلقهمُ الوعر
وكم جانحٍ في الناس ما ردَّ طغيَهُ!
يسومهمُ خسفَ العبيد ويضطَرّ
وحربٍ صَلَى «غليومَ» حرُّ وقيدها
بها اقتتل الآنام فاستفحل الشرّ
وفيها أبيح القتل والسلب والخنا
وحُلِّلَ فيها الكذب والختل والمكر
لقد عبثوا بالحق لا حق عندهم
وراءَوْا به حتى يقوم لهم عذر
فنادوا على الأقوام إنا حُماتُه
وما همُ إلا هاضموهُ ولا نُكر
فوطَّنَتِ الاقوام أنفسَها على
مواثيقهم لكنهم قطّ ما بَرّوا
يقولون للأقوام قولاً مموَّها
أنلناكمُ النُّعمى ألا فانعَموا واثْروا
أنلناكمُ سلطانكم في بلادكم
فنالوه لكن يقتضي فيكم الحَجْر
روائع أخلاقٍ أرَوْنا ولو بدا
بهم واعظٌ نادى فقالوا هو السُّخْر
ألا داعيَ الخيرات في الناس لم يحِنْ
زمانك إنّ الصدقَ موعدُه الحشر
وكم صاحبٍ تلقاه والوجهُ ضاحكٌ
فيغدو - يريش السهم - والثغر مفتَرّ!
يقولون في سِرٍّ لهم تلك ضحكةٌ
يقهقة منها العصرُ إن يُدرك العصر
وقومٍ لهم قد هَدهَد الدهرُ فارتمَوْا
سباتًا وما فيهم شعورٌ ولا فكر
نسودهمُ حتى إذا ما تيقَّظوا
سقيناهم الأفيونَ حتى بهم سُكر
وإن همُ أيقاظًا تفرِّقهم عصا
ويجمعهم إذ فُرِّقوا الطبلُ والزَّمر
ولكن هذا الأصل إن ساس لم يمتْ
فإن له جذعًا هو المجدُ والفخر
وقومٍ رقَوْا حتى السّماكين مجدهم
أصيلٌ إلى الآباد ما مسه ضرّ
وإن عثر الصنديد في الدهر مرةً
فذلك ما زالت له الشيَمُ الغُرّ
وأسلاف صدقٍ خلّد الدهر عزَّهم
يهاب بهم إن يستقلَّ بهم قبر
فما خلّف الأعراب إلا خلائفًا
نَحَتْ نحوهم فاشتد للعرب الأزر
وقامت رجال العرب كالأْسْد نهضةً
تَقَدَّمُهم مصرٌ ألا سلمتْ مصر
وإنيَ من قومٍ أباةٍ نفوسُهم
معاطسهم شُمٌّ وأخلاقهم زُهْر
فواضلُ أخلاقٍ بها فاضلو الورى
وقد فضَلوهم فازدهى بهم الدهر
وقد قام فيهم عصبةٌ عبقريَّةٌ
بنت للعلا بيتًا حجارتُهُ الزُّهر
إذا الليلَ أحيَيتم دفاعًا عن الهدى
فما زال يُحيي الليل في نوره البدر
أنيروا سراديب الظلام وجاهدوا
لإعلاء شأن النور ما شانكم كُفر
إذا لم يك الإصرار في موطني هدىً
ألا فليجلّ الخطبُ وليفدح الأمر