باللهِ يا شَامُ! هذا الحُزنُ يَكْفِينا
لم يبقَ مِنْ مَوْضِعٍ يُسْري الأسى فِينا
كُلّ المواجِعِ تَبقى بعدَكُمْ تَرَفًا
أيُّ المَصائبِ بَعدَ الشامِ تُبْكِينا؟!
في كُلّ يَومٍ لَنا في نَعيِهِمْ خَبَرٌ
كما يُؤَذِّنُ صَوْتٌ في مُصلّينا
ماذا جَنينا على الدنيا تُقلِّبنا
بين الردى، وتباريحِ الأسى حينا
لمثلِ ذا إهرَقي يا عينُ وانبَجِسي
ولتقتبسْ يا قَرَيضًا من حواشينا
ماذا تبقّى لهذا الدهرِ نمنَحُهُ
من الدماءِ، ونُهديهِ القرابينا
ولا تزالُ أَكُفُّ الموتِ داعيةً
(بغصّنا، فيقولُ الدهرُ: آمينا)
كأنما الموتُ ضيفٌ حَلَّ ساحتَنا
قِرَاهُ: أهلٌ، وماءٌ من مآقينا
في الشامِ آياتُ حُزنٍ مِنْ تَعاقُبِها
تُشيبُ وُلدانَنا هَولًا وتُردينا
في الشامِ من معجزاتٍ من جَلالتِها
تُعيي القوافيَ إفصاحًا وتبيينا
في الشام تَحكي لكَ الأطلالُ ما عَجِزَتْ
عنه يدُ الدهرِ تَسْطيرًا وتدوينا
إيهٍ فأنتِ التي ما شئتِ باقيةٌ
قسرًا، وأنتِ التي ما شئتِ تَمحينَا
والدهرُ في كفّهِ ريحٌ مُجَنَّدةٌ
تُبقي الممالكَ رَدمًا، والأواوينا
وكم غدوتِ على الظُّلاّم شاهدةً
وكم بعيّكِ سطّرتِ الدوواينا
كما الجلودُ بيوم الحشرِ شاهدةً
تُصْلي حَشا القومِ زُقّومًا وغِسْلينا
عاثا بساحَتِنا غازٍ وطاغيةٌ
وكانَ أهْوَنُ ما نخشى: أعادِينا
ولو نُخيّرُ: سلطانٌ لنا حَكمٌ،
أمِ الشياطينُ؟ لاخترنا الشياطينا
والدهرُ من أَزَلٍ ماضٍ بشِرعَتِهِ
فينا، وليس لنا إلا أمانينا
نُؤَمَّلُ الصفوَ في الدنيا وقد حَلَفَتْ
دارُ الشقاءِ يمينًا لا تُصافينا
فيكِ الحَيَاةُ كما الحَيّات، قد أَمِنوا
فحيحَها حين أبدى جسمُها اللينا
كم ذا جَهِلْنا تَصاريفَ الزمانِ، وكَمْ
نُساقُ فيه كما ساقوا المساجينا
ومبلَغُ العلمِ من ذا الدهرِ أنَّ لنا
بعد المماتِ نُشورًا سوف يُحيِينا
في يومِ يُجزيهُمُ كُلًّا بما عَمِلوا
والشُّهداءُ بفردوسٍ مُقيمونا
يا رب فاجعل لنا من نُزْلهم نُزُلًا
مع الصّحابةِ مَثوًى والنبيّينا