تخطَّ إلى المحتوى

يا مولد الفجر في أفق الدجى النكد

غير معروف

٥٠ بيت

المتفرقات

يا مَولدَ الفَجرِ في أفْقِ الدُّجى النَّكِدِ

سَكَبْتَ نورَ الهُدى في القلبِ والكبِدِ

سَكَنْتَ كُلَّ خلايا العاشقينَ فما

مِن ذَرَّةٍ لم تَهِمْ في الرُّوحِ والجَسدِ

السّالِكونَ سَعَوْا قَبْلي ولم يَصِلُوا

واستنفَرُوا الذَّوْقَ واجتازوا سَنا الأمَدِ

واستنهَضَ الشُّعراءُ الشعرَ مُذْ فَتَقوا

أسرارَهُ وارْتَقَوْا في سُلَّمِ المَدَدِ

أستغفرُ اللهَ من مَدْحي فَقَد رَكَدَتْ

سَفِينُ شِعري على بحرٍ مِن الزَّبَدِ

وذاكَ أنَّ شُموسَ الكونِ لو سَطَعَتْ

لم تَبْلُغِ الوَحْيَ إِشراقًا ولم تَكَدِ

لكِنَّما الحُبُّ يُغْرِي المَرْءَ يَدْفَعُهُ

نَحْوَ الحبيبِ ولَوْ لَمْ يَحْظَ بالسَّنَدِ

ولَّيْتُ وجْهَ قَصيدي شَطْرَ مَرْقَدِهِ

فسالَ شِعري، ودمعي غيرُ مُتَّئِدِ

ورُحْتُ أَنْهَلُ مِن أفنانِ سيرَتِهِ

وأرشُفُ الأُنْسَ لا أَلْوي على أَحَدِ

أسابقُ اللحظَ كي أحظى ببعضِ سَنا

فهالَني مِن أمامي كثرةُ العَدَدِ

وأسكُبُ العِشقَ في مِعراجِهِ أملاً

في القُرْبِ، والحبُّ لا يَخْفَى عنِ الرَّصَدِ

وضَّأْتُ نفسي بماءِ الوَجْدِ فانْعَتَقَتْ

كلُّ المعاني كَرِئْمٍ فرَّ مِن أَسَدِ

وأَسْفَرَتْ مِن مَجانيها على مَهَلٍ

كالبِكْرِ لمّا بَدَتْ ترنو بلا عَمَدِ

أُجالِسُ الليلَ مَشْغوفًا بسيرتِهِ

وكلُّ ذِكْرٍ له بَرْدٌ على كَبِدي

يا ليتَ أنَّ كَحِيلَ الطَّرْفِ يَلْمَحُني

وعِطرُ أَنْمُلِهِ مِن لَمْسَةٍ بِيَدي

أُصافِحُ الحُلْمَ رَيّانًا بِرَوْعَتِهِ

وأُنْسُ أُمْنِيَتي في العَظْمِ والعَضُدِ

يَوْمي بذِكرِكَ يا خيرَ الأنامِ على

دَرْبٍ السّعادَةِ يسعى وَاثِقًا وَغَدي

يشعُّ نجمُ رسولِ اللهِ مُتَّقِدًا

مِن مَوْلِدِ الفجِرِ حتّى مُنْتَهى الأَبَدِ

وَازَّيَّنَ الكونُ لمّا حانَ مَولِدُهُ

وراحَ يَرْفُلُ في أثوابِهِ الجُدُدِ

على ضِفافِ العُلا تَخْتالُ عِتْرَتُهُ

وتَسْتَقي المَجْدَ من يَنْبُوعِهِ الرَّغِدِ

وتَرْتوي من سَناهُ الرُّوحُ يَرفِدُها

من بحرِ نُوْرٍ وما لِلْبحرِ مِن نَفَدِ

يا خيرَ مَن أُوتِيَ الوَحْيَيْنِ قاطِبَةً

ومَنْ لهُ في رِقابِ النّاسِ كلُّ يَدِ

وجُنَّةُ اللهِ تُؤْوِي مَن يَلوذُ بها

وغُصْنُ حُبٍّ وخَيْرٍ لِلعِبادِ نَدي

يا مَن وُلِدْتَ يتيمًا ثُمَّ أنتَ أبٌ

لكلِّ مُنْتَسِبٍ للدِّينِ، مُعْتَقِدِ

من رحمةٍ يا رسولَ اللهِ لِنْتَ لهُمْ

فباتَ قالِيْكَ مِن حُبٍّ، إِلَيْكَ هُدي

لو كُنْتَ فَظًّا غَلِيْظَ القلْبِ لانْتَثَروا

مِنْ عِقْدِ نورِكَ وانْفَضُّوا عنِ الرَّشَدِ

لذاكَ أَلَّفْتَ بينَ الشّانِئينَ وقَدْ

كانتْ عَداوتُهمْ في كلِّ مَحْتَشَدِ

وُلِدْتَ فانْدَحَرَ الشّيطانُ واتَّقَدَتْ

شَمْسُ السّلامِ وماتَ الشِّرْكُ مِن كَمَدِ

شَرَّفْتَ جِنْسَ الوَرى أنْ كُنتَ سَيِّدَهُمْ

وكنتَ خيرَ مثالٍ للنّدى الأَبَدي

فِدىً لكَ النّفْسُ يا خيرَ الأنامِ فما

مِن مُضْغَةٍ خُلِقَتْ لم تَفْدِ بالجَسَدِ

والوالدانِ وكلُّ النّاسِ واحْتَشَدَتْ

دعواتُنا خُشَّعًا للواحِدِ الصَّمَدِ

يا رَوْعَةَ الذَّوْقِ يا آفاقَ أُمْسِيَةٍ

تَزْدانُ أَنْجُمُها بالعابِدِ الغَرِدِ

أقَمْتَ بينَ يَدَيْ لَيْلٍ بِكَ اشْتَعَلَتْ

أرجاؤُهُ أَلَقًا، بالذِّكْرِ مُطَّرِدِ

وَسِرْتَ بينَ رُمُوزِ الشِّرْكِ تَمْحَقُها

في حِكْمَةٍ قد أَلانَتْ كُلَّ مُنْتَقِدِ

آخَيْتَ بينَ الوَرى تَجْتَثُّ حِقْدَهُمُ

وقَد غَسَلْتَ قُلُوبَ النّاسِ مِن حَسَدِ

حَكَمْتَ بالحُبِّ لا بالسَّوْطِ فامْتَلَأَتْ

أُنْسًا جَوانِحُ مَلْهُوفٍ ومُرْتَعِدِ

أفْنَيْتَ عُمْرَكَ تَهْدي الناسَ تُرْشِدُهُمْ

تلمُّ كلَّ شريدٍ تائهٍ حَرِدِ

لو أنَّ أَنْفُسَنا تَفْدِيكَ لاسْتَبَقَتْ

إليكَ لكنَّ سهمَ الموتِ لمْ يَحِدِ

عشرونَ عامًا بَنَيْتَ القومَ راسِخَةً

أخلاقُهُمْ فَغَدَوْا كالبَحْرِ لا الزَّبَدِ

والآنَ مِلْيَارُنا مِثلُ الغُثاءِ فما

صُنْعُ الرّجالِ ولا الأبْطالِ بالعَدَدِ

كانتْ لنا صَيْحَةٌ في الأُفْقِ زاجِرَةٌ

أعداءَنا عنْ حِياضِ العِزِّ مِن بُعُدِ

وأمةٌ أنجبَتْ يومَ الشدائدِ مَن

كانوا لخيمتِنا كالحبلِ والوتدِ

صِرنا نَخافُ على أَعْراضِنا هَمَجًا

مِن ضَعْفِنا وكَأَنَّ الأمَّ لم تَلِدِ

بُنْيانُنا كانَ والتّقْوى على أُسُسٍ

مَبْنِيَّةٍ في بِناءٍ راسِخِ العُمُدِ

أَمْسى على جُرُفِ الذِّكْرى مُوَلِّيَةً

وصَفْحَةٍ مِن زَمانِ العِيْشَةِ الرَّغَدِ

يا ليتَ ذِكراكَ يا مُخْتارُ تَجْمَعُنا

كما جَمَعْتَ قَديمًا كُلَّ مُنْفَرِدِ

فما تَقُومُ لنا واللهِ قائِمَةٌ

لو لمْ نَكُنْ كُلُّنا يومًا يَدًا بِيَدِ

تلكَ الأماني الّتي تَغْتَالُني أَرَقًا

وتَحْكُمُ العَيْنَ بالإِرْهَاقِ والسَّهَدِ

يا دُرَّةَ الخَلْقِ يا مَأْوَى النّقاءِ ويا

كُنْهَ المَحَبَّةِ يا رُكْنًا لِمُسْتَنِدِ

نَنْسَى ونَذْكُرُ عِنْدَ الهّمِّ أنْفُسَنا

لكِنَّ ذِكْرَكَ يُحْيِيِ النَّفْسَ للأَبَدِ