هاتِها كالشمس تزهو والقمرْ
مُزِّةً تنفي عن النفس الكدرْ
طبع الحسنُ عليها طابعًا
من خلال الكأس خلاّبَ الصور
فهي في الأبصار نورٌ وسنًا
وهي في الأحشاء نارُ وشرر
جمرةٌ سائلةٌ جاء بها
أغيدٌ من ورد خَدّيه عَصَر
شجّها بالماء حتى امتزجتْ
وبدت فيها نجومٌ ودُرر
قل لمن يعذلنا في شُرْبها
هل لمقتولٍ على الناس خطر؟
هي أُنْس الروح في يوم الأسى
ومبيدُ الهمِّ في ليل الفِكَر
كم تداوينا بها من محنةٍ
لو أتت للصخر يومًا لانفطر
ونسينا عندها ما عندنا
من هموم العيش أو ظلم القدر
قلتُ للساقي وقد خفَّ بها
مائلاً يهتزُّ دلاً وخفر
باسمًا عن مثلها من لؤلؤٍ
وعقيقٍ ورحيقٍ وأشر
يملأ الكأس ويسقي رانيًا
بعيونٍ زانها فَرْطُ الحَوَر
أيها المرسِلُ سهمًا صائبًا
كُفَّ لا تقتُلُنا إنا بشر
هذه الأعين عندي فعْلها
ليس من يُنْبيك إلا مَن خَبَر
لو كشفتُ الثوب عن صدري بدت
في فؤادي لك آلاف الحفر
مقلٌ تُصْليك بالسقم اللظى
رُبَّ من سُقْمٍ أتى كل الضرر
غنِّ لي يا صاحِ واهتفْ قائلاً
إنَّ عمر اللهو من عمر الزَّهَر
واحْدُ لي يا شعرُ أحلام الصبا
وارْثِ عهدًا من شبابي قد غَبَر
واسقني يا كأسُ من بعد الطِّلا
ماءَ عينٍ دمعُها يحكي المطر
آه يا ليلَ الندامى لا تسرْ
أنت جونُ اللون محمود الأثر
لك عندي نعمةٌ لا تنقضي
وأيادٍ ليس تطويها غِيَر
كم قضينا قبلك الليلَ على
حرقةِ الوجد وأشجان الذِّكَر
تقطع الحسرةُ في أكبادنا
مثلما يقطع صمصامٌ ذَكَر
ويذيب اليأس منا عزمةً
لو مشت في الماء يومًا لاستعر
أيها الخافقُ رفقًا بالحشا
أترى الأحشاء قُدَّتْ من حجر
أنت في صدري سجينٌ بائسٌ
دائم الروع حزينٌ لا تَقر
طائرٌ في الأسر تهفو للفضا
أي طيرٍ نال في أسرٍ وطر
أنا والحظُّ غريمان على
كرَّةِ الآصال أو مَرِّ البُكَر
هو معشوقٌ إذا دلَّلْته
زاد بالتدليل بعدًا ونفر
ويحه كم سامني في بُعده
من عذابٍ وشقاءٍ وسهر
جامد الحسّ إذا عاتبتُه
وضريرُ العين مفقود البصر
وهَبَ الأعداء منه ودَّه
وحبا الجُهَّال خيرًا ما انحصر
والذي الأرواح من إحسانه
لو رأى أفعاله قام اعتذر
إنما الدنيا مجالٌ للأسى
وليالي الدهر أستاذ العِبَر
كذَّبتْ آياتُها أفهامَنا
ودليل الخُبْر يودي بالخبر
علَّمَتْنا أن في العقل الضنى
وأرتْنا أنَّ في العلم البطر
واحتملنا الصبر نبغي أجره
فوجدنا الموت للصبر ثمر
وقرأنا الصدق منجاة الردى
فألفِنْا الصدق في الناس ندر
وعَرَفْنا الخير فرضًا واجبًا
فإذا بالخير ولَّى واندثر
وظنَنَّا العفو نبلاً خالصًا
فإذا العفوُ ارتخاءٌ وخَوَر
ها هو الشرق مريضٌ لم يزل
داؤه يشتد سوءًا وخطر
كلُّ من فيه طغت أهواؤه
فانزوى في ظلها حتى استتر