لا أعرف كم مضى من الزمن وأنا
أجرّبُ بكلمات تصير
أقمارًا وشموسًا أو
مخارز لصنع الألم.
مضيتُ توّاقة إلى الوصول،
وصلتُ توّاقة إلى الرحيل،
الرحيل من أجل الرحيل وحسب.
كلّ الذي سيبقى منّي
صرخة
صرخات
تغلُّ بروقها في روحي.
داخلي مدن حزينة ومعتمة
وبحر يحترق.
ماذا لو اقتصدت بالأسى، ومَحَوت ملامحي القاسية،
هل تنتهي مزحة العالم معي؟
ماذا ستفعلين الآن بخيوط النور
المتسلّلة إلى عزلتكِ؟
ها أنت تبهتين بينما
أوراق يابسة تعبر وجهكِ.
في قرارة نفسكِ تتوقين إلى
سماع أصوات بشرية ..
كأصواتهم.
أحيانا تودّين أن تكفّري عن غيابكِ،
ولو أن الرائحة الكريهة للخذلان،
وصرامة الزمن المتبقي، لن يسمحا بذلك،
حتمًا..
لن يسمحا.
حينما ارتجّت الأرض
ركض الجميع باتجاه البرّ
إلا أنا ..
جريتُ باتجاه البحر،
وكم كان رائقًا حينها،
لو يعرفون.
لمن ستكون الغلبة..
لسماء تهبط
لتغرف زرقتها من البحر،
أم لبحر يصعد كل حين
ليشرب من سماء لا تكترث؟
هل تسمع أنينهم الطويل،
وهم يتصبّبون عرقًا، ويسترقون النظر
إلينا من خلف الأبواب.
في الغرف الموصدة بَليَت أحلامهم،
والحزن المشتول في أعينهم
قد نفَرَ من النوافذ.
تشرد نظراتي في المحطة بين
أحياء ألتقيهم للمرّة الأولى،
أناي المتأمّلة تُطيل النظر إلى
وجوههم الكدرة.
أنواتهم الهَلعة تعبرني غير آبهة.
على عجلة من أمرهم،
وكأن الزمن المتبقّي لتنغلق فيه السماء على الأرض
قد نفَدَ.
كلّ مساء
تضغط جبينها على زجاج النافذة لترقب
عالمًا آخر..عالمًا بلا أعمدة وبلا روائح،
يعجّ بالمارين ليلًا.
بأعينهم المبتسمة يحيّونها وهم
يؤدّون حركات مدوّخة.
كلّ مساء تدير ظهرها للأرض لتبدأ
روحها الصغيرة الكبيرة بالشدو معهم.
ما أن يغيبوا حتى تعضّ بمرارة على شفتيها.
حينما أومأت لأحدهم أن يقترب لتلمسه،
وجدته أثيريًا وحارقًا.
من يومها لم تعد تمرّ قوافلهم
تفكّر الصغيرة..
هل أخفتهم؟
ظمآنة
ومراسلاتي مع الغيم لم تُجدِ نفعًا.
ليس بمقدوري أن أتجاهل قصائدي الأسيرات.
أكاد أُحصي دقّات قلبي من فرط
لمعان المعنى، وطقطقة الكلمات وهي تحترق.
إنها تُدفئ روحي كترنيمة نومٍ تُطبطبُ
على أيامي المنكسرة كي
ترقد بسلام.
المغادرون يظنونني منهم،
والعائدون كذلك،
أمّا المودّعون فيبادلونني نظرات الأسى.
لستُ هؤلاء جميعًا.
عند نقطة الوصول أدركتُ
أنني الهدف،
صرتُ أقرأ أفكار الكون بيسرٍ،
وأسمع موسيقاه.
كانت رائحة الموت تنبعث بشدة من الأرض، وهي
تنزلق تحت أقدامنا.
لم نتمكن من حمل سوى بعض الصور التذكارية قبل
الفراق الوشيك.
دويّ الأسى من حولنا جعلنا نغرق
في متاهة ولود.
في اللقطة الخلفية تبدو الحياة هانئة، ودون منغصّات.
حتمًا، إنها الحرفية العالية لصنّاع الدمى
الذين اختاروا أن ينفّذوا كوابيسهم على هيئة
بشر دمى تهيم في عبث لا ينضب.
كان ضوء القمر المُبهر يملأ الحديقة،
بينما كانت نظراتنا تعوم في الفراغ،
وبين الفينة والأخرى كنا نتبادل
عبارات الندم والاستحسان، ونحن نجهد
في نبش ذواكرنا المُثقلة بقصص قابلة للسرد لنتذمّر ونتعجب من جديد.
لم تكن كل القصص مثالية،
بل كثيرة الثغرات،
فصرنا نعود مرارًا لحشوها
ونحن نهمهم قتلًا للوقت. فصارت حكايات تتاقطر داخل حكايات..
من غزارتها بعثرناها حتى فقدنا الحبكة.
مذّاك ونحن نبحث عن الحبكة.
ربما أنقذتنا السخرية والابتسامات العابرة ولو قليلًا،
لكن ظلال التعب على ملامحنا،
ورائحة معاطفنا المُقبِضة كانت تجرّنا لتكرار أحاديث
لا طائل منها عن غربتنا وغرابتنا
في عالم تتكاثر فيه الجدران بجنون.
ألهذا الحد أفرط الزمن في اللعب معنا.