أغزاة أم أنتم طرّاق
أم بدور لا يعتريها محاقُ
أم موازين تحكمون البرايا
أم رعاة العقول وهي حقاق
أم أساطين والوجود فِناء
أم ميادين والأنام زقاق
أم خلايا تكشَّف الغيب عنها
جلّ ربي لا يدّنيها اختلاق
أم خصوم ولا شقاق ولكن
نبرات الدهاء وهي شقاق
حرت ما حرت في الحقيقة لكن
في ادّعاء خفوقه إخفاق
حين قالت بجهلنا الأمم الأخ
رى وقالت قلوبنا إغلاق
ثم قالت بأنه ليس للعُر
ب سوى القول والنهى إطباق
كذب الادعاء فالعقل والمن
طق والعلم إرثنا والسباق
قد عقلنا الأشياء والدهر طيش
وعلمنا وللحياة نعاق
فنشرنا صحائف العلم نورا
مشرقات تنورتها الرفاق
وتسامى بوعينا كل سام
وتبارى بعلمنا السُّباق
غير أنا تهاوُنا قد أضعنا
علمنا فاستفاده اللُّحاق
واجتلوا سره فطافوا به الأف
ق اختراعاً وبندهم خَفّاق
نحن قوم في الوعي والفك
ر وأسمى صفاتنا الأخلاق
لم تخنّا منذ القديم عقول
بسقت فهي والقضاء سباق
قد محونا أمّية الكون عن أم
ية بعض آيها الإشراق
وأتينا في خمس قرن بما لم
يأته الدهر سبقه واللحاق
عن عقول كانت قواعد للع
لم عليها يرسو ومنها يساق
بلورتنا الأيام من عهد هود
فاستنارت بنورنا الآفاق
وكتبنا تاريخنا بيد الحم
د وفاء ما خانه ميثاق
وبزغنا على سما العبقريا
ت عقولا جبارة لا تطاق
فأليك البيان في قَصَص حل
و دليلا لما عليه المساق
عن نزار فتى معدّ الذي طا
بت لديه الفروع والأعراق
وبنيه الذين هم أعقل النا
س وأقوى فهما ولا إخفاق
مضر بل ربيعة بل أياد
وبأنمارهم يتم السياق
إذ نزار يوزع المال حيا
بينهم أن يدبَّ فيهم شقاق
مضر الشهم دونك القبة الحم
راء خذها لا نالك الإملاق
والخباءَ البهيمَ والسابق الأد
همَ خذ يا ربيعة السباق
وخذ الخادم التي شمطت رأ
ساً أياد المهذب المعتاق
ولك الندوة التي تجمع القو
م فخذها أنمار فهي ائتلاق
فإذا ما اختلفتم بعد موتي
فإلى الجرهمي حيث البُعاق
المليك القرم الذي سمّي الأف
عى سِمام الأعداء من لا يطاق
أتُراهم تخالفوا بعده أم
أغروُوا الناس أم هناك انشقاق
أم لتُستَثمر العقول التي طا
ل عليها بالعزلة الإنغلاق
إذا سروا يقطعون طاغية اليه
ماء نحو الأفعى إليه انساقوا
ورأوا ناشد البعير مشيحا
يترامى كأنه مشتاق
يا مضل البعير في هذه البي
د سل الركب إنهم طُرّاق
سلهم عنه إن في صدف التس
آل علماً ضياؤه رقراق
قال يا ركب هل رأيتم بعيري
فلقد طال منه عني إباق
فدنوا منه قابضين زمام العي
س واللطفُ ثم والأخلاق
أبعين مطاك أزور مبتو
ر شرود لا يزدهيه رواق
قال قد جئتم بأربعة الأو
صاف منه فأينه يا رفاق
فأجابوه: ما رأيناه لكن
ا قصصناه والعقول سباق
فابغه خلف إثره وسل البي
د ففيها لمثله أرزاق
قال أشكوكم إلى الملك الأف
عى فقالوا وها إليه المساق
فشكاهم له فأرجأ شكوا
ه وللضيف حرمة لا تعاق
حيث وافوه مسلهمين أضيا
فاً كراماً لهم يحق العناق
فأعد القِرى ثريداً لهم بالل
حم والخمر والنهى أذواق
ودعاهم له وخبأ خلف الس
ور مولى للذهن منه ائتلاق
قال عِ القول منهم وتبيّن
ه وجئني به ولا إخفاق
قال إن الجماعة استعرضوا أش
ياء فوق الطعام فيها احتراق
قال قلها فقال قد أنكروا اللح
م وقالوا للكلب فيه مذاق
وكذا أنكروا السلاف وقالوا
في رفات الموتى لها إغراق
وكذاك الخبز الشهيّ يقولو
ن أعدته طامث مغلاق
قال حدّث فقال رابعة تب
قى أقلني منها فدتك الحِداق
قال قلها فلن أقيلك منها
ولك الأمن وهو نعم الوثاق
قال قالوا بأنه لست للوا
لد إبناً وما هناك انطباق
فدعا صاحب الخروف ليدري الس
ر لو كان دونه إغلاق
قال ماتت لبونه ولدينا
ذات طِبءٍ لرضعه تنساق
أيها الخادم المسن صف الكر
م الذي خمره إلينا تساق
قال فوق القبور قد غرسوه
وعليها نما وطال الساق
ودعا من أعدت الخبز كي يد
ري قالوا بالطمث كادت تعاق
يا لأمي وما لأمي وما أخ
فته في السر والقضا استحقاق
إيه أماه فالحقائق لا تخ
فى وإن يخفها زماناً نفاق
من أبي من أبي لقد حصحص الح
ق فقولي لي أماه ضاق النطاق
لا تلمني وما أبوك الذي تع
زى اليه ومن لعمي يساق
لا تلمني فإنه كان عِنّي
نا حصوراً لا يطبيه عناق
لا تلمني وقد خشيت على المل
ك فأمكنت من له أعراق
مرة أنجبتك بيضة ديك
لا التذاذاً ولا هناك اشتياق
فاقض ما شئت يا بني ودعني
من حديث تكراره إحراق
قال شيني عليك أمي وزيني
لك والستر بيننا ميثاق
يا لنفسي ويا لودي عليها
أزنيم؟ وتاجه برّاق
ومضى خارجاً إلى الضيف يلقا
هم وفي النفس هاجس خفاق
ورأى وجوههم قسمات ال
عتق نوراً فقال: من يا عتاق
أنزار فتى معدّ أبوكم؟
يا صباح الوجوه يا إشراق
فأجابوه قد أصبت ولم تخطئ
فلله حدسك السباق
مرحباً يا بني صديقي وأهلا
إنها خلسة السرور تساق
قد نزلتم بأرضكم وحللتم
بحماكم لا غالكم إرهاق
يا كرام النفوس أبناء عدنا
ن كبار العقول نعم الرفاق
يا بني الكرام ما أنا بالنا
سي أباكم له إغداق
عشت أبكي عليه حزناً ولكن
مذ رأتكم عيناي زال الخناق
لم يمت من له ولو واحدا منك
م وإن مات جسمه والصفاق
فأروني رأي البعير الذي أحس
نتم الوصف به منه وهو إباق
فأجابوا وفي الخبيئة إحسا
س غزير وفي اللسان انذلاق
قد رأينا خفَّيه خفاً فقلنا
إنه أزور الخطا مضياق
ورأينا أبعاره وهي أكوا
م فقلنا أبتر مطباق
ورعى نصف مورق الأيك وانسا
ب فقلناه أعور منساق
ورأيناه وهو يرعى فيعدو
فعرفناه أنه أباق
قال يا صاحب البعير خذ الدر
ب فما القوم معشر سرّاق
ثم ثنى يقول: ما لخروفي
وسلافي وما أنا والرقاق؟
لا تسلنا فكم هنالك إحرا
ج وفي النفس إن تسل إشفاق
قال هاتوا وما هنالك ذنب
ومن العقل للعقال اشتقاق
فتراءوا ما بينهم ثم قالوا
ومن القول يبدأ الإنطلاق
قد رأينا واللحم بين لحوم الض
أن والكلب والخفايا اتفاق
فعرفنا أن التشابه سر
موصِليّ للدر فيه اعتناق
ونظرنا إلى شرايين ذات الخ
بز في خبزها كأن تهراق
فعرفنا بأن ثمت طمثا
ومن السبق يستبين اللحاق
وشربنا السلاف وهي سرور
فحزنّا غداة لذ المذاق
فعرفنا بأن باعث ذاك الح
زن سر الموتى الذي لا يذاق
هذه هي الحقائق إن ش
ئت وفيها لغيرها مصداق
فاختبرها سرا فإن هي صحت
فهو الظن زانه الإحقاق
قال لا بد أن تقولوا ولا تخش
وا فللصدق والنجاة استباق
فتمادوا بعض القليل فقالوا
ما لديهم ما جف منهم بصاق
بين أخلاقك التي قد لمسنا
ها وأخلاق من نماك افتراق
وكذاك الأفعال فيما علمنا
من أبينا كما جلاه السياق
أو يدعى إلى الطعام ضيوف
ما رأتهم من المضيف المآق
فعرفنا من ثم أن لست منه
وهو في الكل قط حدس مساق
فأقلنا بالعفو إن نحن أخطأ
نا فللعفو شيمة لا تفاق
واصغ منا إلى الذي قد أتينا
ك به فهو قصدنا والسباق
قد أتيناك كي تحل رموزاً
لأبينا والإرث فيه شقاق
وزع الإرث وهو حي ولكن
لم تزل عنه دوننا أغلاق
قال هاتوا فأطلعوه على التو
زيع والعقل للهوى ترياق
قال هاكم رأيي جلياً فإن وا
فق آراءكم فنعم الوفاق
كل ما كان أحمرا فلذي القب
ة ما كان الشكل والائتلاق
فلذاكم دعوه: يا مضر الحم
راء راهن فإنك السباق
والجياد العتاق تتبع من يع
زى إليها لا جانبته العتاق
فدعوه: ربيعة الفرس: الشه
م تقدم وبندك الخفاق
وأياد يعزى إليه الذي شا
به شمطاءه فنعم المساق
فدعوه: الشمطا: وكم بالمسمى عظم الإسم والأمور اشتقاق
ولأنمار فاضل المال والفا
ضل ما كان دون ما قد ساقوا
فلهذا دعوه: إنمار فضل:
ومن الفضل ينعم الرزاق
هذه هذه العقول وكم قد
لويت لاجتلائها الأعناق
ولكم فوقت على الأفق الأعل
ى وغارت فاهتزت الأعماق
من لهذي العقول أن ينجب الده
ر كأمثالها وهل ذا يطاق
فهلم ائتوني بمثقال ذر
من سناها وهل لديكم مطاق
أو فقولوا إن الفتى العربي ال
محض سر للوعي فيه اندفاق
ودعوني أجلو بياني سحرا
عن جبين ضياؤه رقراق
وأفض الختام مسكا على الكو
ن ترامى في عرفه العشاق