في مساءٍ شتويٍّ
لا يشبهُ باقي المساءات
ينزلُ البردُ
لا كطقسٍ ،
بل كاختبار
المدينةُ
تُقلِّصُ ظلَّها ،
والشوارعُ
تتعلَّمُ الصمتَ
مرّةً أخرى
القناديلُ
لا تُنير،
إنّها فقط
تكشف ...
تكشفُ
أنّنا وحدنا أكثر
بعد أن اعترفنا ،
وأنّ الدفءَ
ليس مسألةَ معطفٍ ،
بل مسألةَ معنى
نقفُ
تحت الضوء المرتجف ،
لا ننتظرُ أحدًا ،
ولا نغادر ،
فالوقوفُ هنا
لعنة
الريحُ
تمرّ على وجوهنا
كقارئٍ قديمٍ
يعرفُ السطرَ
قبل أن يبلغه ،
تفتّشُ في العيون
عن بقايا يقين ،
ولا تجد
المطرُ
يسقطُ بلا نيّةٍ للشفاء ،
يغسلُ الإسفلت ،
ولا يجرؤ
على لمسِ القلوب المتعبة ،
فبعضُ الأوجاع
أعمقُ
من أن تُبتلّ
تحتَ القناديل
تسقطُ اللغة ،
ولا يبقى
سوى الصمت
واقفًا
بهيئةِ رجلٍ
فهمَ كلَّ شيء ،
وفقدَ الرغبةَ
في الشرح
نقتربُ ،
لا لأنّ البردَ قاسٍ ،
بل لأنّ المسافات
كذبةٌ اجتماعيّة ،
وحين يشتدُّ الشتاء
تسقطُ الأقنعة
أسرع ،
ونعود
إلى الوحدة
من جديد
الأيدي
تسبقُ التفكير ،
والقلبُ
يُعيدُ حساباته
بصوتٍ خافت :
من يستحقُّ
أن يبقى
حين يصبحُ الدفء
نادرًا ؟
نحنُ لا نبحثُ
عن حبٍّ ،
ولا عن خلاص ،
نبحثُ عن لحظةٍ
لا نُضطرّ فيها
أن نكون أقوى
ممّا نحن عليه الآن
عن ثانيةٍ
لا نؤدّي فيها
دورَ الناجين ،
ولا نشرح
لماذا صمدنا
تحت القناديل
نتذكّر
أنّ الاغتراب
ليس سفرًا ،
بل إحساسٌ
بأنّك حاضرٌ دائمًا
في المكان الخطأ
وحين نمضي ،
نمضي بخفّة ،
ولا نلوّحُ بالوداع ،
فالأماكنُ التي تؤلمنا
تعرفُ
كيف تحتفظُ بنا
لتبقى القناديلُ
شاهدةً
على مساءٍ
لم يُنقذنا ،
لكنّه
لم يكسرنا
مساءٍ
مرّت فيه القلوب
مثقلة ،
صامتة ،
وحقيقيّة ،
للحدِّ الأخير ..