أبدى العلامةَ فالتقى الجيشانِ
جيشُ العزيمة والغرامُ الجاني
حربٌ سجالٌ فالعزيمة والهوى
يتعاقبان على الفؤاد العاني
العزمُ يُنجده التَّفكُّر والهوى
قد أنجدَتْهُ بلحظها العينان
فكأنَّ نظرته الخميسُ مُعَبَّأً
متأهبًا لكريهةٍ وطِعان
جرَّ الحديدَ ونُظِّمت خُطواته
والموتُ يتبعه بكل مكان
ليُقلَّ من غُلَوائه فأمامه
عزمٌ يهدُّ عزائمَ الأكوان
عزمٌ كعزمة خالقٍ ذي قدرةٍ
متحكِّمٍ فينا على الأزمان
فأقام من دون الفؤاد حصونَهُ
ما للِّحاظ بِدكِّهنََّ يدان
لكن وقفنَ يُرِدنَ من حُرّاسها
خَوْنَ الخؤون وغفلةَ الغفلان
إن اللحاظ وفعلَهنَّ كما ترى
جيشٌ من السُّحّار والكهّان
فلقد أصبنَ من العزائم غِرَّةً
فضربنَ في آطامِها بِجِران
فتأجَّجت نارُ القتال وقاتلت
حذرَ الغرام جوارحُ الجثمان
في كل جارحةٍ قتالٌ قائمٌ
وكتائبٌ ككتائبِ الفرسان
إني لأبصر كرَّهم وفرارَهم
وأرى فعال النار بالشجعان
نار الغرام - ولا يصِبْك لهيبُها -
هي والجحيمُ لدى الهوى سيّان
عبثًا يحدِّثني المحدث أنني
شَرِدُ الفؤاد مضلَّل الوِجدان
فكأن منطقَه وجُلَّ حديثه
لغطٌ كصوت البوم والغربان
وأهزّ رأسي هزَّ مُصغٍ مدركٍ
للقول من فصل ومن هَذَيان
ولقد أسائله لأوهِمَ أنني
صاحي القريحة لست بالنشوان
ولقد أكاد إذا أطال حديثه
أدعوه يسكت دعوة الخجلان
عذرًا محدثيَ الكريمَ أما ترى
هذا الجليسَ وما إليه دعاني
يدعو إلى طرح السلاح وطاعةٍ
وهوًى دخيلٍ في الحشا وهوان
نَزْرُ الكلام تكلّمتْ ألحاظُه
بالسحر من شِعرٍ ومن تِبيان
نزر الكلام كأنما ألفاظه
قَطْر الغمام على مدًى وتوان
وكأنَّ وقعَ حديثه في مسمعي
وقعُ الفراتِ على فم الظمآن
انظرْ إليه فما أشدَّ جمالَهُ
وأشدَّ ما فعل الهوى بجَناني
انظر إليه فربما عَلِقَ الهوى
بالقلب منك فقاومَ القلبان
إني أحسُّ عزائمي بإزائه
كادت تكون كعَزْمةِ الولهان
إني أحسُّ غرامه دخلَ الحشا
كاللصّ يغنم غفلةَ السكان
وكأن مسراه إلى حيث انتهى
مسرى المدام إلى حِجا السكران
يأتي فيملأ منزلي من نورِهِ
وأرى السرور ولو مضى يغشاني
ما زلت بعد لقائه وذهابه
متمتِّعًا بالنور واللُقيان
ما كنت أحسَبُ قبل ذلك أنَّ لي
قلبَ المحبِّ وخفَّةَ الجذلان