تخطَّ إلى المحتوى

هذي دموعي على خدي تنهمر

البسيط

٥٤ بيت

النسيب

هَٰذِيْ دُمُوْعِيْ عَلَىْ خَدَّيَّ تَنْهَمِرُ

تُوْحِيْ بِسِرٍّ عَلَيْهِ الْقَلْبُ يَسْتَتِرُ

كَمْ كُنْتُ أُخْفِيْ لَهِيْبَ الْنَّارِ فِيْ خَلَدِيْ

وَهَا هُوَ الْيَوْمَ مِنْ جَفْنَيَّ يَنْصَهِرُ

مَاذَا أَقُوْلُ أَمَا لِلْوَجْدِ أُغْنِيَةٌ

فَيَّاضَةٌ يَرْتَوِيْ مِنْ بَرْدِهَا الْبَصَرُ

كَمْ مِنْ قُلُوْبٍ سَوَادُ الْصَّبِّ أَحْرَقَهَا

لَكِنَّ قَلْبِيْ عَلَى ظَلْمَائِهِ قَمَرُ

كَمْ أَبْحَرَ الْجُرْحُ فِيْ أَعْمَاقِ زَوْرَقِنَا

وَالْرِّيْحُ تَعْبَثُ بِالْأَمْوَاجِ وَالْمَطَرُ

عَلَىْ عُبَابِ الْهَوَىْ يَجْرِيْ فَيَحْضُنُهُ

دِفْءُ الْحَنِيْنِ وَبَحْرُ الْشَّوْقِ يَنْشَطِرُ

قَلْبِيْ لَهُ مَرْفَأٌ يَرْسُوْ وَأَلْثُمُهُ

عِشْقَاً، وَتَبْكِيْ عَلَىْ هِجْرَانِهِ الْجُزُرُ

مَهْمَا تَزِدْ حَالِكَاتُ الْبَيْنِ فِيْ تَرَحٍ

فَالْبَدْرُ خِلٌّ وَكَمْ يَحْلُوْ بِهِ الْسَّمَرُ

كَمْ كَانَ يُرْوِيْ غَلِيْلَ الْنَّفْسِ مَنْظَرُهُ

نُوْرُ الْمَلَاكِ عَلَىْ عِنَّابِهِ دُرَرُ

يَا بُلْبُلَ الْحُسْنِ غَرِّدْ فِيْ مَرَابِعِنَا

وَاصْدَحْ شَجِيًّا لَعَلَّ الْأُنْسَ يَزْدَهِرُ

مَالِيْ أَرَىْ الْضُّرَّ فِيْ دُنْيَايَ يَجْذِبُنِيْ

الْهَمُّ وَالْغَمُّ وَالْآهَاتُ وَالْضَّجَرُ

كَمْ رَفْرَفَ الْطَّيْرُ فِيْ الْأَوْكَارِ مُشْتَكِيَاً

حُزْنَاً دَهَانِيْ وَكَمْ يَبْكِيْ لِيَ الْحَجَرُ

فَقَامَ يَشْدُوْ عَلَى الْأَفْنَانِ أُغْنِيَةً

سِحْرِيَّةً مِنْ صَدَاهَا الْعُوْدُ يَنْكَسِرُ

يَا لِلْحَنِيْنِ عَلَى قَوْمٍ رَحِيْلُهُمُ

أَضْنَى كَيَانِيْ وَطَالَ الْضَّعْنُ وَالْسَّفَرُ

ودّعْتُهُمْ وَرِمَاحُ الْشَّمْسِ سَاطِعَةٌ

تَبْكِيْهِمُ الْرُّوْحُ وَالْأَطْلَالُ وَالْجُدُرُ

بَانُوْا وَمَنْ خَلْفَهُمْ يَلْتَاعُ مُحْتَرِقَاً

أَنَا الْعَلِيْلُ وَهُمْ فِيْ أُنْسِهِمْ سَكِرُوْا

شَاحُوْا جَمِيْعَاً وَمَا أَبْقَوْا لِصَاحِبِهِمْ

إِلَّا بُكَاءً تُنَادِيْنِيْ لَهُ الْصُّوَرُ

مَازَالَ رَسْمُ رَحِيْلِ الْقَوْمِ يَتْبَعُنِي

عِنْدَ الْغُدُوِّ وَجُنْحَ الْلَّيْلِ يَبْتَدِرُ

لَمْ يَبْقَ مِنْ قُرْبِكُمْ إِلَّا لَظَىً، وَهَوَى

مَا عَادَ يُغْنِيْ وَقَلْبٌ عَادَ يَنْفَطِرُ

عَلَى الْرِّكَابِ شَذَاً مِنْ نَفْحِكُمْ عَبِقٌ

وَفِي الْرَّوَابِيْ أَرِيْجُ الْشَّوْقِ يَنْتَشِرُ

يَا سَاكِنِيْنَ مَعَ الْأَنْسَامِ فِيْ دَعَةٍ

طَيْفُ الْوَفَاءِ بِنَا قَدْ عَادَ يَنْتَحِرُ

أَمَا شَرِبْنَا الْهَوَى غَضَّاً بِطَلْعَتِهِ

أَلَمْ يُغَنِّ لَنَا فِي حُسْنِهِ الْزَّهَرُ

بَحَثْتُ عَنْ صَاحِبٍ خِلٍّ يُشَارِكُنِيْ

هَمَّ الْحَيَاةِ قَضَيْتُ الْعُمْرَ أَنْتَظِرُ

وَبَعْدَ صَبْرٍ طَوِيْلٍ جَاءَنِيْ شَبَحٌ

فَقَالَ: خِلٌّ عَلَى الْأَصْحَابِ يَدَّكِرُ

أَخْبَرْتُهُ حِيْنَهَا مَا مَسَّنِيْ خَجَلٌ

إِنْ كُنْتَ خِلَّاً فَلِلْأَمْوَالِ أَفْتَقِرُ

ثَنَى الْرِّحَالَ وَأَلْوَى الْظَّهْرَ مُنْتَهِراً

قَلْبِي، وَقَالَ عَنِ الأَمْوَالِ أَعْتَذِرُ!

لَوْ قَطَّرَتْ دَمْعَةٌ مِنْ نَاظِرِيْ فَأَتَتْ

عَلَى مُحِيْطٍ لَفَاضَ الْمَاءُ يَسْتَعِرُ

مَاذَا جَنَيْتُ أَمَا لِلْبُعْدِ مِنْ سَبَبٍ؟

هَبْنِيْ جَنَيْتُ أَلَيْسَ الْذَّنْبُ يُغْتَفَرُ؟

إِنْ كَانَ يُرْضِيْكُمُ مِنْ بُعْدِكُمْ أَلَمٌ

فَلَا أُبَالِيْ إِذَا مَا ضَمَّنِيْ خَطَرُ

لَكِنَّهُ قَدَرٌ يَجْرِيْ بِهِ قَلَمٌ

هَلْ يَنْفَعُ الْحِذْرُ إِذمَا خَيَّمَ الْقَدَرُ؟

الْعَيْشُ حُلْوٌ إِذَا أَدْرَكْتُ عَافِيَةً

وَإِنْ طَوَانِيْ الْضَّنَى أَمْسَيْتُ أَحْتَضِرُ

أَلَمْ يَكُنْ زَهْرُنَا تُسْقِيْهِ أَوْدِيَةٌ

مِنَ الْلِّقَاءِ وَعَيْنُ الْحُبِّ تَنْفَجِرُ

وَفِي الصَّبَاحِ نَدَىً مِنْ نَفْحِهِ عَبِقٌ

يَحْلُوْ لَنَا فِي شَذَا أَنْسَامِهِ الْسَّحَرُ

عَمَّ الْظَّلَامُ بَكَيْتُ الْدَّارَ بَعْدَهُمُ

ثُمَّ اسْتَبَدَّتْ بِيَ الْأَنَّاتُ وَالْكَدَرُ

يُضَمِّخُ الْحُزْنُ أَحْدَاقِيْ وَيَأْسِرُهَا

لَوَاعِجُ الْشَّوْقِ فِيْ طَيَّاتِهَا سَقَرُ

أَرْخَى الْفِرَاقُ غُيُوْمَاً غَيْثُهَا شَرَرٌ

عَلَى فُؤَادِيْ فَمَاتَ الْعُشْبُ وَالْخَضَرُ

كَمْ يَذْرِفُ الْبَيْنُ نَارًا مِنْ مَحَاجِرِنَا

عَلَى صِحَابٍ بِطِيْبِ الْتُرْبِ قَدْ قُبِرُوْا

ضَمَّتْهُمُ الْعَيْنُ وَالْأَحْدَاقُ وَاجِمَةٌ

ضَمَّتْهُمُ الْرُّوْحُ وَالْأَكْبَادُ تَنْسَجِرُ

قَلْبِيْ يَقُوْلُ لَكُمْ لُطْفَاً وَمَرْحَمَةً

عَسَى الْفُؤَادُ عَلَى الْأَنَّاتِ يَنْتَصِرُ

أَلَمْ يَكُنْ غُصْنُنَا الْمَيَّادُ مُبْتَسِمَاً

أَلَمْ يَكُنْ نَهْرُنَا بِالْوُدِّ مُنْحَدِرُ

لَكَمْ طَوَانَا خَيَالُ الْبَيْنِ مُعْتَرِضَاً

شَجْوٌ وَكَرْبٌ وَفِيْ أَحْشَائِنَا صَبِرُ

مَنْ رَامَ قُرْبًا لِخِلَّانٍ بِلَا عِوَضٍ

يَعِشْ ذَلِيْلَاً عَلَى أَحْلَامِهِ حُفَرُ

كُلُّ الْمَظَاهِرِ بَيْنَ الْنَّاسِ زَائِلَةٌ

يَفْنَى الْصِّحَابُ وَيَبْقَى بَعْدَهُمْ أَثَرُ

عَوَادِيَ الْدَّهْرِ لَا تَحْنُوْ عَلَى أَحَدٍ

والْحُزْنُ فِيْ الْرُّوْحِ لَا يُبْقِيْ وَلَا يَذَرُ

إِنْ كَانَ ضَمَّ الْجَمَالَ الْزَّهْرُ رَائِحَةً

وَمَنْظَرَاً فَفُؤَادِيْ ضَمَّهُ الْحَوَرُ

كَمْ غَرَّدَ الْعِشْقُ فِي أَوْصَالِنَا جَذِلَاً

حَتَّىْ غَدَاْ فِيْ هَوَانَا يَرْقُصُ الْشَّجَرُ

تَمَايَلَتْ وَانْثَنَتْ مِنْ لَثْمِنَا طَرَبَاً

الْرِّمْشُ يَعْزِفُ وَالْأَجْفَانُ وَالْنَّظَرُ

حَاوَرْتُ لَيْلِيْ بِأَنْغَامِ الْهَوَىْ فَإِذَا

بِدَرْبِ صَمْتِيْ مِنَ الْلَّوْعَاتِ يَنْفَجِرُ

كَمْ صَاغَ وَجْدِيْ مِنَ الْأَشْعَارِ مَرْكَبَةً

تَشُقُّ صَمْتَ الْجَوَىْ وَالْعَقْلُ يَفْتَكِرُ

وَكَمْ عَزَفْتُ مِنَ الْأَشْوَاقِ أُغْنِيَةً

عَلَىْ صَدَاهَا تَهَاوَى الْلَّحْنُ وَالْوَتَرُ

أُسَلِّيَ الْنَّفْسَ بِالْأَشْعَارِ أنْظُمُهَا

لَعَلَّهُ عَنْ فُؤَادِيْ الْهَمُّ يَنْتَهِرُ

هَوِّنْ عَلَىْ قَيْسِ آهَاتٍ يُكَابِدُهَا

قَلْبِيْ تَدَاعَىْ وَجَاءَتْ تُكْتَبُ الْسِّيَرُ

يَا لَيْتَ صَفْوَ وِدَادِ الْحُبِّ مُلْتَفِتٌ

حَتَّىْ يَرَىْ مَا جَنَىْ فِيْ جِسْمِيَ الْسَّهَرُ

مطران

العياشي