رِيمٌ عَلَى الْقَاعِ بَيْنَ الْبَانِ وَالْعَلَمِ
عَلَيْهِ تَنْسَابُ أَضْوَاءٌ مِنَ القِمَمِ
لَمَّا نَظَرْتُ إِلَى عَيْنَيْهِ مُخْتَلَبَا
أَحَلَّ سَفْكَ دَمِي فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ
لَمَّا رَنَا حَدَّثَتْنِي النَّفْسُ قَائِلَةً
فَاصْبِرْ عَلَى أَلَمِ الْأَشْوَاقِ وَاكْتَتِمِ
كَلَّا، وَهَلْ لَكَ فِي الْكِتْمَانِ مَقْدرَةٌ
يَا وَيْحَ جَنْبِكَ بِالسَّهْمِ الْمُصِيبِ رُمِي
جَحَدْتُهَا وَكَتَمْتُ السَّهْمَ فِي كَبِدِي
وَسُمُّهُ بَيْنَ أَحْشَائِي وَبَيْنَ دَمِي
هَلَّا كَفَفْتِ عَنِ التَّأْنِيبِ عَاذِلَتِي
جُرْحُ الْأَحِبَّةِ عِنْدِي غَيْرُ ذِي أَلَمِ
يَا لَائِمِي فِي هَوَاهُ وَالْهَوَى قَدَرٌ
إِنْ كَانَ لَوْمُكَ يَشْفِينِي فَقُلْ وَلُمِ
فَمَا أَرَاكَ لِعَرْفِ الْحُبِّ مُنتَشِيًا
لَوْ شَفَّكَ الْوَجْدُ لَمْ تَعْذِلْ وَلَمْ تَلُمِ
لَقَدْ أَنَلْتُكَ أُذْنًا غَيْرَ وَاعِيَةٍ
إِنَّ الْمَلَامَةَ لَوْ أَنْصَتَّ كَالْعَدَمِ
وَإِنْ بَدَا لَكَ أَنَّ الْأُذْنَ صَاغِيَةً
فَرُبَّ مُسْتَمِعٍ وَالْقَلْبُ فِي صَمَمِ
يَا نَاعِسَ الطَّرْفِ لَا ذُقْتَ الْهَوَى أَبَدًا
إِنَّ الْمُحِبِّينَ فِي هَمٍّ وَفِي ضَرَمِ
وَلَسْتَ تَحْمِلُ تَعْذِيبًا وَلَا أَرَقًا
أسْهَرْتَ مُضْنَاكَ فِي حِفْظِ الْهَوَى فَنَمِ
يَا نَفْسُ دُنْيَاكِ تُخْفِي كُلَّ مُبْكِيَةٍ
وَرَاءَ ضَاحِكَةِ لِلطَّامِعِ النَّهِمِ
لَا تَفْرَحِنَّ بِمَا آتَتْكِ مُغْرَمَةً
وَإِنْ بَدَا لَكِ مِنْهَا حُسْنُ مُبْتَسَمِ
صَلاحُ أمْرِكَ لِلْأَخْلَاقِ مَرْجِعُهُ
بِغَيْرِهَا لَنْ يَكُونَ الْخَيْرُ فِي الأُمَمِ
فَلَا يَجُرَّنْكَ طَبْعُ النَّاسِ مُتَّبِعًا
فَقَوِّمِ النَّفْسَ بِالْأَخْلَاقِ تَسْتَقِمِ
وَالنَّفْسُ مِنْ خَيْرِهَا فِي خَيْرِ عَافِيَةٍ
مَكْسُوَّةً حُلَلَ التَّوْفِيقِ وَالْكَرَمِ
لَا تُرْخِ لِلنَّفْسِ حَبْلاً فَوْقَ كَاهِلِهَا
وَالنَّفْسُ مِنْ شَرِّهَا فِي مَرْتَعٍ وَخِمِ
إِنْ جَلَّ ذَنْبِي عَنِ الْغُفْرَانِ لِي أَمَلٌ
فِي عَفْوِ رَبِّي إِذَا اسْتَنْجَدْتُ بَالْقُثَمِ
لأنَّنِي كُلَّمَا نَادَيْتُهُ أَمَلاً
فِي اللَّهِ يَجْعَلُنِي فِي خَيْرِ مُعْتَصَمِ
أُلقِي رَجَائِي إِذَا عَزَّ الْمُجِيرُ عَلَى
مُحَمَّدٍ مَلْجَأ السَّادَاتِ وَالْخَدَمِ
فَلَا يَخِيبُ رَجَائِي عِندَ سَيّدِنَا
مُفَرّجِ الْكرْبِ فِي الدَّارَيْنِ وَالْغُمَمِ
إِذَا خَفَضْتُ جَنَاحَ الذُّلِّ أسألُهُ
وَجَدْتُهُ قَاسِمًا لِي أَعْظَمَ الْقسَمِ
مَتَى تَوَسَّلْتُ يَوْمَ الدِّينِ سَائِلَهُ
عِزَّ الشَّفَاعَةِ لَمْ أَسْأَلْ سِوَى أَمَمِ
وَإِن تَقَدَّمَ ذُو تَقْوَى بِصَالِحَةِ
يَرْجُو العَظَائِمَ مِنْ فَضْلٍ وَمِنْ نِعِمِ
وَمَا مَعِي غَيْرُ أَوْرَاقٍ مُسَوَّدَةٍ
قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْرَةَ النَّدَمِ
لَزِمْتُ بَابَ أَمِيرِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ
لَمْ يَأْتِهِ خَاضِعًا مُسْتَشْفِعًا يَجِمِ
وَمَنْ يَعِشْ وَهْوَ مَحْرُومُ السَّعَادَةِ فَلْ
يُمْسِكْ بِمِفْتَاحِ بَابِ اللَّهِ يَغْتَنِمِ
مُحَمَّدٌ صَفْوَةُ الْبَارِي وَرَحْمَتُهُ
وَمِنَّةٌ مِنْهُ لِلْعُرْبَانِ وَالْعَجَمِ
أَجَلُّ مَنْ عَاشَ فَوْقَ الْأَرْضِ بَهْجَتُهَا
وَبُغْيَةُ اللهِ مِنْ خَلْقٍ وَمِنْ نَسَمِ
وَنُودِيَ اقْرَأْ تَعَالَى اللهُ قَائِلُهَا
فَوْقَ الْجِبَالِ وَعِنْدَ الْغَارِ وَالْأكَمِ
أَوْحَى إِلَيْهِ بِأَلْفَاظٍ مُقَدَّسَةٍ
لَمْ تَتَّصِلْ قَبْلَ مَنْ قِيلَتْ لَهُ بِفَمِ
هُنَاك أُذِّنَ لِلرَّحْمَنِ فَامْتَلَأَثْ
ضَمَائِرُ الْكَوْنِ مِنْ نُورٍ وَمِنْ حِكَمِ
وَقَدْ عَلَا فِيهِ صَوْتُ الْحَقِّ وَانْدَهَشَتْ
أَسْمَاعُ مَكَّةَ مِنْ قُدْسِيَّةِ النَّغَمِ
سَرَتْ بَشَائِرُ بِالْهَادِي وَمَوْلِدِهِ
نَحْوَ الْأَوَاوِينِ وَالْأَكْوَاخِ وَالْخِيَمِ
وَاللهُ فِي الْخَلْقِ أَعْلَى ذِكْرَهُ وَسَرَى
فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ مَسْرَى النُّورِ فِي الظُّلَمِ
أتَيْتَ وَالنَّاسُ فَوْضَى لَا تَمُرُّ بِهِمْ
وَفِي مَجَالِسِهِمْ حَثٌّ عَلَى الْقِيَمِ
وَمُسْتَوَى الْعَقْلِ فِيهِمْ لَيْسَ مُقْتَصِرًا
إِلَّا عَلَى صَنَمٍ قَدْ هَامَ فِي صَنَمِ
أَسْرَى بِكَ اللهُ لَيْلاً إِذْ مَلَائِكُهُ
يَسْتَقْبِلُونَ مَجِيءَ النُّورِ فِي الأُمم
وَالْأَنْبِيَاءُ جَمِيعًا دُونَ رُتْبَتِهِ
وَالرُّسْلُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عَلَى قَدَمِ
لَمَّا خَطَرْتَ بِهِ الْتَفَّوْا بِسَيِّدِهِمْ
وَهُمْ لَهُ خُضَّعٌ فِي سَاحَةِ الْحَرَمِ
وَكُلُّهُمْ حَوْلَهُ مُسْتَمْسِكُونَ بِهِ
كَالشُّهْبِ بِالْبَدْرِ أَوْ كَالْجُنْدِ بِالْعَلَمِ
صَلَّى وَرَاءَكَ مِنْهُمْ كُلُّ ذِي خَطَرٍ
عَلَى صُفُوفٍ وَأَنْتَ الْفَرْدُ فِي الْقَدَمِ
لَكَ الْإِمَامَةُ فِيهِمْ حَيْثُمَا اجْتَمَعُوا
وَمَنْ يَفُزْ بِحَبِيبِ اللهِ يَأْتَمِمِ
جُبْتَ السَّمَاوَاتِ أَوْ مَا فَوْقَهُنَّ بِهِمْ
وَالْكُلُّ عِنْدَ خُطَى نَعْلَيْكَ فِي سَأَمِ
وَقَدْ عَبَرْتَ حُدُودَ الْكَوْنِ مُرْتَقِيًا
عَلَى مُنَوَّرَةٍ دُرِّيَّةِ اللُّجُمِ
مَشِيئَةُ الْخَالِقِ الْبَارِي وَصَنْعَتُهُ
أَنْ تَعْتَلِي عَرْشَ هَذَا الْكَوْنِ فِي الْقِدَمِ
فَكَيْفَ لَا وَذِهِ الْآيَاتُ بَيِّنَةٌ
وَقُدْرَةُ اللَّهِ فَوْقَ الشَّكِّ وَالتُّهَمِ
حَتَّى بَلَغْتَ سَمَاءً لَا يُطَارُ لَهَا
مِنْ بَعْدِمَا طِرْتَ فِيهَا غَيْرَ مُزْدَحِمِ
ولَا يُطَارُ إِلَى أدْنَى مَقَامِكُمُ
علَى جَنَاحٍ وَلَا يُسْعَى عَلَى قَدَمِ
وَقِيلَ كُلُّ نَبِيٍّ عِندَ رُتْبَتِهِ
وَأنْتَ تَجْتَازُ مِنْهُمْ كُلَّ ذِي عِصَمِ
نَادَى مُنَادٍ أَلَا خَلُّوا السَّبِيلَ لَهُ
وَيَا مُحَمَّدُ هَذَا الْعَرْشُ فَاسْتَلِمِ
يَا رَبِّ هَبَّتْ شُعُوبٌ مِنْ مَنِيَّتِهَا
وَاسْتَرْجَعَتْ قَدْرَهَا بِالْعَزْمِ وَالْهِمَمِ
وَتَسْتَمِدُّ مِنَ الْآيَاتِ قُوَّتَهَا
وَاسْتَيْقَظَتْ أُمَمٌ مِنْ رَقْدَةِ الْعَدَمِ
رَأى قَضَاؤُكَ فِينَا رَأْيَ حِكْمَتِهِ
فَانْظُرْ إِلَيْنَا بِعَيْنِ اللّطْفِ والكَرَمِ
مِنَّا عُدُولٌ وَفِينَا ظَالِمُونَ لَنَا
أَكْرِمْ بِوَجْهِكَ مِنْ قَاضٍ وَمُنتَقِمِ
فالطُفْ لأجلِ رَسُولِ الْعَالَمِينَ بِنَا
وَامْحُ الْخَطَايَا مِنَ الْأَوْزَارِ وَاللِّمَمِ
فَلْتَجْعَلَنْ مَنْهَجَ الْمُخْتَارِ مَرْجَعَنَا
وَلَا تَزِدْ قَوْمَهُ خَسْفًا وَلَا تُسِمِ
يَا رَبِّ أَحْسَنْتَ بَدْءَ الْمُسْلِمِينَ بِهِ
إِذْ هُمْ عَلَى الْأَرْضِ أُولُو الْأَمْرِ وَالْحُكُمِ
أعِدْ عَلَى أُمَّةِ الْمَنصُورِ هَيْبَتَهَا
فَتَمِّمِ الْفَضْلَ وَامْنَحْ حُسْنَ مُخْتَتَمِ