أأبكيكِ أم أبكي الحنان المضيَّعَا
وأندب حظي أم أضمّكما مَعَا؟
تموتين يا أمّاه في دار غربةٍ
وتوحين للأكباد أن تتصدّعا
قفي زوِّدي الأحباب فيك بنظرةٍ
ولا تهجرينا قبل أن نتودَّعا
عهدتك أمّاً في النّساء كريمةً
إذا عصفت نكباءُ أو واجبٌ دعا
فكيف وما عوَّدتنا قبلُ جفوةً
جعلت مهيل الرمل يا أمُّ مَضْجَعا
وسرتِ إلى دار الخلود وها أنا
أرى والدي يمشي إلى الأم مسرعا
يعانقها بعد افتراقٍ وغربةٍ
عناقَ مشوقٍ قد وهى وتضعضعا
ومن خلفه «أنطون» يفترّ ثغره
و«توفيق» من في ذمّة الله أودعا
فلله ما أحلى اجتماعَ أحبَّةٍ
عُقيب فراقٍ غادرَ القلب موجعا
وقرّح جفنًا بات لا يعرف الكرى
وأرسل دمعًا لم يكن قبلُ طيِّعا
فما لذة الدنيا إذا مات أهلنا
وفارقنا صفو الحياة وودّعا
وقفت على الأطلال من بعد موتهم
أسائلها عنهم وأذرف أدمعا
وهاجت بنفسي الذّكريات فلم أجدْ
إلى الصَّبر مأوىً أو إلى العيش موضعا
وبتُّ طريحًا يسكن الهمّ قلبه
ويقتله سُقْمٌ إلى الجسم قد سعى
حرامٌ عليّ النّوم بعد أحبتي
فيا نفسُ ذوبي حسرةً وتفجُّعا
ويا عينُ إن لم تسفكي بعد هجرهم
دموعك لا أبصرت يا عينُ مطلعا