إذا ما بكينا اليوم سعدًا فإنما
نكون بكينا فيه ركنًا تهدّما
هدى فهدت مصر بصاحب أمرها
وخلّف منها الدمع في جفنها دما
سَكَتَّ فقام الموت بعدك صائحًا
وحدّث عمّا ترتئيه وترجما
فصار كما قد كنت بالأمس منبرًا
وأسكت قومًا ناطقين وأفحما
وأسمعنا الصوت الذي كان عاليًا
بمصرَ وواديها وحيّا وسلّما
فيا ركنَ هذا الشرق هل أنت مشفقٌ
عليه كما قد كنت بالأمس منعما
حنانيك إنّا لا نريدك صامتًا
فهل لك بعد اليوم أن تتكلما؟
نعاك لنا الناعي على رغم أنفنا
فأتلفَ قلبًا كان يا سعدُ مغرما
وحرّكَ دمعًا كان في الجفن ساكنًا
وأظهر حزنًا كان سرّاً مكتّما
وكانت بداري المشرقين مناحةٌ
بها القلب من وقع المصاب تهشّما
فيا لك من خطبٍ جليلٍ لوقعه
بكى الشعب فاستبكى الجماد وعلّما
مشت مصرُ خلف النعش مشلولة النّهى
تودّع فيه حبّها المتجسّما
وترشقه بالورد من كلّ جانبٍ
وتنفحه بالندّ والطّيب أينما
فيا من رأى في النعش شعبًا مكفّناً
وأبصر فيه الصّامت المتكلّما
وودّع آمالاً وشيَّعَ حكمةً
وأنزل جبّارًا إلى القبر مرغما