إذا أردتَ الهُدى عَرِّجْ ولا تحِدِ
وإن وقفتَ هُنا يا ركْبُ فاتّئِدِ
هنا العظيمُ الذي عَمَّتْ مآثرهُ
وظاهرَ الحقِ لا يَلوي على أَحَد
تأتيكَ من خاطرات الألفِ طائفةٌ
أرخى من المسكِ أو أشهى من البَرَد
ألفٌ مضتْ والمآسي مِثْلَما عُرفَتْ
فالحولُ كالحولِ بالإسعاد والنَّكَد
آمادُ فيها الدُّنا عاشتْ على سَبَقٍ
كعيشنا اليومَ والأحفادِ بعدَ غد
فَعَدِّ عن كل هذا وانتهجْ سُبُلاً
للفكرِ موسوعةُ الدُّنيا بخَطِّ يد
هي العروبةُ والفصحى وما نسلَتْ
لسالفِ الفكرِ من داعٍ لمجْتَهِد
فإن نظرتَ بعينِ الفكرِ، كم فَكَرَتْ!
وإن نظرتَ بعينِ القلب كم [تَجِد]!
وإن أَتيت إلى بابٍ تهمُّ به
إذا به البحرُ فاغْرِفْ حيثما ترد
وقفتُ بالباب، هذا القبرُ أسألُه
هل هزَّك الشوقُ للدنيا ألا فَعُد
وقد نسيتُ به زهدًا فآلمني
أنرسل القولَ إرسالاً على فَنَد
لكنَّ عندي من الأعذارِ مَمْلَكَةً
فلْنَتركِ الأمرَ بين الهَمِّ والجَلَد
عقلٌ كبيرٌ ودنيا في صَغائرها
وعالِمٌ يكتوي من جاهلٍ وَغِد
هي النفوسُ تُعاني جَوْرَ غُربتِها
كيفَ «المعرّي» إذا ما نحنُ في صَدَد!
فتَرغبُ الزهدَ من غلواءَ راغِدةٍ
تنأى عن الناس أو تَغفو على كَمَد
فجنَّةُ الخلدِ لا يَرضى بها أبدًا
على انفِرادٍ ويرضى الحبْسَ في البلد
ومن تأمَّل في الدنيا وبهجَتِها
وفي تصرُّفِ دهرٍ والضنى الجَهِد
إذا المعري عليها عطْفُ جانِحَةٍ
كَمُشفقٍ عفَّ عن آثارِها زَهِد
ويرتئي القوةَ الإنصافَ يمدَحُها
فوصْفُ أحمدَ إعجازٌ كشَدِّ يَد
نرجو البنينَ ونمضي في محبَّتِهم
كفطرة الخَلقِ في الأمشاجِ للأبد
أم أنهمْ كظهيرٍ كيْ يُساعدنا
أم أنهم لُعَبٌ تلهو عن الجَهِد
أم أنهم لبقاء الاسمِ نجعلهم
خوفَ الفناءِ خلودَ الذكرِ بالولد
وما احتياجُ عظيمٍ من يخلدُهُ
وإسمُهُ ملءُ سمعِ الأرضِ والأمَد
تساؤلٌ يكتوي فكرًا ومسألةٌ
تقضُّ قلبًا وعقلاً جدَّ مُطَّرد
هي الحياةُ حياةُ العقلِ إنْ سَعدَتْ
بالحق حينًا وأحيانًا بلا سَعَد
تدرَّجَ الرغْدُ حتى صارَ ذا خَطَرٍ
وغمغمَ الفقرُ مكبوتًا بسِقطِ يد
كذا أثارتْ شعوبٌ نارَ ثورتها
وَوُزِّعَ الكسبُ في إنصافِ مجتهد
فأحمدٌ قد تأبّى غيثَ هاطلةٍ
لا تشرك الأرضَ كلَّ الأرض والبلد
أبا العلاء وقد أشعلتنا لهبًا
مثل البراكين في تفكير متّقد
تهدّ تبني، وما كنّا بمن سلفوا
نرى كمثلك كحَّالاً على الرمد
شفيت منا عَمانا وارتهنت به
شتانَ ما بين أعمى القلب والجسد
تريد من جاهلٍ أن يرتئي حَكَمًا
وللعليم طريق الشك والفَنَد
لم يُنصفوك على إعجابهم أبدًا
فنحن ننصفُ - لا منّنْتُ - للأبد
هذا الضريحُ سيحظى كل ملحمةٍ
للشعر محبوكةٍ للشاعر الوقد
هنا القرائح تُجلى في مناظرةٍ
وينتشي الحرف للمعنى كرشْفِ صَدِ
للفكر نحْوان نحوٌ للعلوم على
ما جدَّ فيها كشأن العلم في الأمد
وآخرٌ فنّ تصوير الحياة على
ما بين معتركٍ فيها ومعتقد
فإنما الروحُ تعلو كي يقاربها
وحيُ السماء على إيمان معتقد
لا للبشاعات تعلو في تواطئها
كالبُوم ما حَدَبتْ إلا على ولد
أبا العلاء هنيئًا أنت في جدثٍ
ونحن نحيا بدنيا الخوفِ والنكد
يا ويلَنا كم نعاني كلَّ مشكلةٍ
حتى القويُّ هنا في رعب مرتعد
نخشى الغذاء نضوبًا في مخازنها
نخشى الحروب بذرات الفنا الأبدي
نعيش في نقمة الأجيال مَفسدةً
ولا شفاءَ لداء الروح والجسد