قفوا نسقِها منا الدموعَ السواكبا
منازلَ للأقمار أمست مغاربا
ديارٌ عفت منها الطلول وطالما
حبسنا على ساحاتهنَّ الركائبا
كأن لم تلحْ فيها الدراريْ ولم يكن
حماها لفتيان المعالي ملاعبا
وكانت لأذيال السحاب مساحبًا
فعادت لأذيال السوافي مساحبا
ألحّت عليها الحادثاتُ فغيّبتْ
شموسًا وأقمارًا بها وكواكبا
أقول لأظعانٍ مررنَ بها قفوا
تروا شارقًا من ذلك البدر غاربا
فتًى كان طودًا للمعالي وغاربا
فجبَّ الردى منها سنامًا وغاربا
فتًى كان رحبَ الباع عَفّاً إزاره
يحبّ التقى طبعًا ويأبى المعايبا
فتًى مارسَ الأيام حتى تهذّبت
فلم تلفَ ذا عيبٍ ولم تلفَ عائبا
فتًى كان يُقري السامعين فصاحةً
كما كان يُقري الوافدين مواهبا
فتًى كان في كسب المحامد راغبًا
كما كان عن كسب المعايب راغبا
همامٌ ربيط الجأش يُخشى انتقامه
وما كان من شيءٍ سوى الله راهبا
قضى وطرًا من كل فضلٍ ولم يدع
سوى الفضلِ في الدنيا غلامًا وصاحبا
له شيمٌ غُرٌّ من المجد أوجبتْ
عليه من المعروف ما ليس واجبا
سلِ المُلْكَ عنه والملوك فكم بنى
لها في الذرا مجدًا وكم شاد جانبا!
فمن ذا يحوز السبق في حلبة العلا
وينشئ من صوب السماح سحائبا؟
ويثني عِنانَ الحادثات إذا طغت
بعَضْبِ حِمًى أمضى من السيف قاضبا
ومن ذا لشمل الملك يرعى سوامَه
إذا ما غدا بالملك راعيه لاعبا؟
ومن يشتري الآدابَ خضر الجنى ومن
يرنّح أعطافًا لها ومناكبا؟
ومن لي بمسؤولٍ ومن لي بسائلٍ
يباحثني حتى أكونَ المجاوبا؟
وأين وريُّ الزند من آل وائلٍ
تقود له الأيام تلك الجنائبا؟
وأين أخو الأقلام يخضب رأسها
فتثني العوالي أو تفلّ الكتائبا؟
وأين الذي جدواه تستغرق المنى
ويحمي ذِمارًا أو يريش المطالبا؟
تحجّ بنو الآمال كعبةَ جوده
فتملأ من ذاك السحاب مواهبا
ومن بأسه في الروع تَلقى كتائبًا
ومن كفّه في الجود تلقى سحائبا
فمن مبلغٌ فتيانَ سحبانَ أنه
أصاب الردى منها ذُرًا وغواربا؟
وأنا فقدنا اليوم طيّاً وحاتمًا
وقُسًا وقحطانًا وكسرى وحاجبا
ألا فُجِعت منه بأمضى مضاربًا
ألا رُزئت منه بأعلى مراتبا
وغالت يد الدنيا نزارًا ويعربًا
وفهرًا وعدنانًا وأدّاً وغالبا
ألا هكذا فليورثِ المجدَ من قضى
ويكسبْ تليد الحمد من كان كاسبا