تخطَّ إلى المحتوى

ليلة في وادي عبقر

الطويل

٥٤ بيت

الوصف

لَيْلَةٌ فِي وَادِي عَبْقَرَ ...!

حَمَلْتُ هُمُومَ الْعُمْرِ وِزْراً عَلَى مَتْنِي

وَأَعْدَدتُّ لِلتَّرْحَالِ رَاحِلَةَ الْيُمْنِ

نَأَتْ دُونِيَ الْآفَاقُ حَتَّى ظَنَنْتُهَا

تَؤُولُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ فِي الْكَوْنِ

دَلَفْتُ إِلَى وَادٍ وَقَدْ آذَنَ الدُّجَى

عَلَى أَنْ يَلُفَّ الْقَفْرَ بِالْمِعْطَفِ الْجَوْنِ

فَإِذْ بِمُنَادٍ مِنْ وَرَائِي يَصِيحُ بِي :

تَوَقَّفْ تَجَاوَزْتَ الْحُدُودَ بِلَا إِذْنِ

أَنَا حَارِسُ الْوَادِي وَرَاعِي شُؤُونِهِ

وَأَنْتَ بِوَادِي عَبْقَرٍ مَوْطِنِ الْجِنِّ

تَلَفَّتُّ حَوْلِي كَيْ أَرَاهُ فَلَمْ أَجِدْ

سِوَى صَوْتِهِ جَرْساً يُجَلْجِلُ فِي أُذْنِي

فَزِعْتُ وَشَدَّتْنِي إِلَى الْخَلْفِ نَاقَتِي

وَأَوْجَسْتُ مِنْهُ خِيفَةً خَامَرَتْ ظَنِّي

وَلَمْ تَحْتَمِلْنِي رُكْبَتَايَ وَكِدتُّ أَنْ

أَخِرَّ عَلَى وَجْهِي وَيَدْهَمَنِي حَيْنِي

فَهَدَّأَ مِنْ رَوْعِي وَطَيَّبَ خَاطِرِي

وَقَالَ : أَلَا اتْبَعْنِي إِلَى مَلْكِنَا اتْبَعْنِي !

لَحِقْتُ عَزِيفاً قَادَنِي نَحْوَ خَيْمَةٍ

تَخَيَّلْتُهَا قَصْراً تَعَزَّزَ بِالْأَمْنِ

أَنَخْتُ رِحَالِي قُرْبَهَا ذَاهِلَ الرُّؤَى

كَأَنِّي بِحُلْمٍ لَيْسَ يَقْبَلُهُ ذِهْنِي !

بِهَا اجْتَمَعَ الْأَقْرَانُ حَوْلَ وَلِيمَةٍ

لَدَى الْمَلْكِ أَشْبَاحاً وَلَمْ تَرَهُمْ عَيْنِي

فَلَمْ أَسْمَعَنْ إِلَّا حَسِيسَ طَعَامِهِمْ

وَقَرْعَ كُؤُوسٍ مُتْرَعَاتٍ مِنَ الدَّنِّ

تَلَمَّسْتُ صَوْتَ الْمَلْكِ مِنْ نَبَرَاتِهِ

وَحِينَ يَعُمُّ الصَّمْتُ صَغْواً إِلَى الرَّطْنِ

تَعَالَ وَشَارِكْنَا الْحَدِيثَ فَإِنَّنَا

نُعَدِّدُ أَسْمَاءَ الْعَبَاقِرَةِ الْفُطْنِ !

إِذَا مَا اتَّخَذْتَ الْفَذَّ (هَوْبَرَ) صَاحِباً

سَتُصْبِحُ مَرْمُوقاً حَكِيماً وَذَا شَأْنِ

وَلَكِنْ إِذَا صَاحَبْتَ (هَوْجَلَ) لَنْ تَرَى

لَدَيْكَ سِوَى الشِّعْرِ الْمُهَلْهَلِ وَالْوَهْنِ

تَعَالَ تَفَضَّلْ بِالْجُلُوسِ فَمُهِّدَتْ

إِلَيَّ اتِّكَاءً فَرْشَةٌ غَضَّةُ الْعِهْنِ !

فَهَلْ لَكَ فِي الْوَادِي قَرِينٌ تَزُورُهُ

أَمِ الدَّرْبُ قَدْ أَلْقَاكَ لِلتِّيهِ وَالْأَيْنِ ؟!

إِلَى أَيْنَ تَمْضِي فَالدُّرُوبُ بَعِيدَةٌ

تَقُودُ إِلَى اللَّاشَيْءِ بُعْداً وَلَا تُدْنِي ؟!

خَرَجْتُ ظَعِيناً مِنْ فِلَسْطِينَ سَاعِياً

لِرِزْقِي بِأَرْضِ اللهِ وَاللهُ فِي الْعَوْنِ

لَقَدْ زَارَنَا مَحْمُودُ دَرْوِيشُ حَامِلاً

حَبِيبَتَهُ رِيتَا الْجَمِيلَةَ فِي ظَعْنِ

عَلِمْتُ بِأَنْ قَدْ مَجَّدَتْنَا قَصَائِدٌ

لَدَى الْإِنْسِ فِي الْقِرْطَاسِ وَالْمَسْرَحِ الْفَنِّي

سَمِعْتُ بِهَا فِي الْمَكْتَبَاتِ وَإِنَّنِي

سَأَقْرَأُهَا يَوْماً إِذَا سَمَحَتْ سِنِّي

فَقَدْ زَارَنَا شَوْقِي وَطَافَ رُبُوعَنَا

يُفَتِّشُ عَنْ مَجْنُونِ لَيْلَى عَلَى هَوْنِ

وَمِنْ بَعْدِهِ مَعْلُوفُ فَاضَ خَيَالُهُ

فَصَوَّرَنَا خَلْقاً يَعِيشُ عَلَى الْمُزْنِ

لَقَدْ أَبْدَعَ التَّصْوِيرَ شِعْراً مُشَيِّداً

مَدَائِنَ فَيْرُوزٍ تَخَطَّتْ مَدَى الْحُسْنِ

وَلَمْ يُغْفِلَنْ دَوْرَ الْكِهَانَةِ سَائِلاً

سَطِيحاً وَشِقّاً سِرَّ عَبْقَرَ مُذْ قَرْنِ

أَلَا أَيُّهَا الْجَمْعُ الْمُبَجَّلُ رَحِّبُوا

بِضَيْفٍ عَزِيزٍ قَدْ أَتَانَا عَلَى مَتْنِ !

سَنُسْمِعُهُ عَذْبَ الْأَحَادِيثِ وَالشَّجَى

بِسَامِرِنَا الْمَوْسُومِ بِالْأُنْسِ فِي الدَّجْنِ

سَنُسْمِعُهُ مَا لَيْسَ يَنْسَاهُ عُمْرَهُ

وَيَنْشُرُهُ فِي الْبَدْوِ وَالرِّيفِ وَالْمُدْنِ

فَغَنَّى لَنَا قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ (لَافِظٌ)

(قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ) مَعَ اللَّحْنِ

لَقَدْ أَعْدَمَ النُّعْمَانُ فِي يَوْمِ بُؤْسِهِ

عَبِيدَ وَلَمْ يَقْرِفْ أَثَاماً وَلَمْ يَجْنِ

فَغَنَّى (هَبِيدُ بْنُ الصَّلَادِمِ) شِعْرَهُ

(لِمَنْ دِمْنَةٌ أَقْوَتْ) وَذِكْرَايَ فِي الدَّمْنِ ؟!

شَدَا (مُدْرِكٌ) شِعْرَ الْكُمَيْتِ مُرَدِّداً

(وَقَالُوا تُرَابِيٌّ هَوَاهُ) بِلَا وَزْنِ

فَأَنْشَدَ لِلْعَبْسِيِّ (جَالِدُ) مُبْدِعاً

(لَقَدْ وَدَّعَتْنِي عَبْلَةٌ) سَاعَةَ الْبَيْنِ

فَأَلْهَبَنَا ذِكْرُ الْوَدَاعِ تَأَسِّياً

فَإِذْ (مِسْحَلُ السَّكْرَانُ) قَدْ هَبَّ مِنْ رُكْنِ

فَأَنْشَدَنَا (وَدِّعْ هُرَيْرَةَ) بَاكِياً

عَلَى فَقْدِهِ الْأَعْشَى الْكَبِيرِ صَدَى الشَّجْنِ

سَمِعْتُ عَرِيفَ الْحَفْلِ يَدْعُو تَكَرُّماً

(جُهُنَّامَ) ذَاتَ الْحُسْنِ صَاحِبَةَ الصَّوْنِ

لِإِسْمَاعِنَا الصَّوْتَ الرَّخِيمَ تَرَنُّماً

بِأَشْعَارِ عَمْرٍو كَالْهَزَارِ عَلَى غُصْنِ

فَشَنَّفَتِ الْآذَانَ شَدْواً كَأَنَّهُ

مَزَامِيرُ تَسْتَشْفِي الصُّدُورَ مِنَ الرَّيْنِ

إِذَا صَمَتَتْ ثَارَ الْحَنِينُ لِشَدْوِهَا

بِأَفْئِدَةِ السُّمَّارِ مُسْتَعْطِفاً غَنِّي !

(أَمُجَّاعُ) أَنَّى أَلْتَقِيكَ لِكَيْ تَرَى

وَفَائِي لِوَعْدِي إِنْ تَخُنْ فَاحْتَرِسْ مِنِّي ؟!

إِذَا لَمْ تَصُنْ وُدِّي بِزَعْمِكَ أَنَّنِي

خَدَعْتُكَ فَاذْكُرْ كَمْ جَرَيْتَ عَلَى الْمَيْنِ !

وَكَانَ خِتَامُ الْحَفْلِ إِنْشَادَ (هَاذِرٍ)

لِنابِغَةِ الذُّبْيَانِ كَالدُّرِّ فِي كِنِّ

(أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَهُ)

تَرَقْرَقَ فِي الْوَادِي الْخَلِيِّ مِنَ الرُّعْنِ !

فَلَاحَتْ خُيُوطُ الْفَجْرِ مِنْ خَلْفِ أُفْقِهَا

مُذَهَّبَةً تَجْلُو الدُّجَى وَطْأَةً عَنِّي

تَأَهَّبْتُ لِلتَّرْحَالِ شَوْقاً إِلَى الْحِمَى

كَأَنِّي حَبِيسٌ قَدْ تَحَرَّرَ مِنْ سِجْنِ

قَدِ اشْتَقْتُ لِلشِّنَّارِ يَمْرَحُ فِي الرُّبَى

وَلِلزَّعْتَرِ الْمُنْدى وَرَائِحَةِ الْبُنِّ

مَرَرْتُ بِصَنْعَاءَ الْإِبَاءِ مُفَاخِراً

بِمَنْ قَدَّمُوا الْأَرْوَاحَ قُرْبَى بِلَا ضَنِّ

فَيَمَّمْتُ شَطْرَ الدَّارِ وَجْهِيَ عَائِداً

إِلَى مَوْطِنِي الْمَسْكُونِ بِالصَّبْرِ وَالْحُزْنِ

إلى القِبْلَةِ الأُولى ومَسْرى مُحَمَّدٍ

ومَا مَوْطِنٌ في الأرْضِ عنْ مَوْطِني يُغْني !

نابلس في 25 / 10 / 2025 م

حبيب_شريدة