إذا ارتوت الشجرة من فيض عذبٍ، تقوى وتخضر أوراقها وتزهو براعمها وتطيب ثمارها، فإذا صارت ترتشف الماء مع تسربات تخالطه وأخلاط تمازجه وأحماض تلوثه، تذوي نضارتها وتتساقط أوراقها، وتتعفن ثمارها، وتجف وتتيبس يوما بعد يوم، ولا سبيل إلى قوتها وعافيتها، إلا بعودتها
عودي لروضك إنَّ العُمر دوّار
الوهم يسفي هواه المُرَّ إعصارُ
أين انتشار شذى الأنسامِ مؤتلقا
والروض يلثم فيه الورد نوَّارُ؟
تاهَتْ حمائمُه في الليل هائمةً
والبوم تؤويه فيه اليوم أوكارُ
والفجْر؟- بات هواه الحزنُ ينهشه
أنَّى التفتَّ يلفّ النُّورَ أسْتار
ظلماءُ داجِيةٌ حَمْراء دامِيةٌ
مزاجها الحقْد والأوهامُ والعَارُ
أين الرحيقُ ونحْل الروض يرشفه
من ثغْرِ زنْبقةٍ تهديهِ أزهارُ؟
أين الجَمالُ، ووجهُ الورد متشحٌ
بالهمِّ يطوي بهاه الموتُ والثارُ
أين الضياءُ وزهرُ الفُلِّ ينْثُرهُ
بين الرُّبى ألقاً تهواه أقمارُ؟
بيض القلوبِ ، ونور الفجر يعشقهم
والطهر توَّجهم، والحبّ والغارُ
أين الأحبة والأسحار تجمعهم
جيلٌ لهُ في نياط القلب تذكارُ
تطوي محاسنهم غربان مقفرةٍ
يزهو لها القفرُ، والأطلال آثارُ
ربع الأحبَّة في الطوفان مضطرب
لا فيه زهرٌ، ولا حبٌّ وإيثار
يا جذوتي اتقدي فالحزنُ في كبدي
يفري حشاشته في القلبِ مسمارُ
والظلمُ يرقصُ في الأنحَاء منتشيا
يهوى تراقصَهُ في الحيِّ زمَّارُ
بات الصدى ثملا، والوجد مشتعلٌ
والظلم يوريْ لظاه القهرُ والنّارُ
يا ويحَ قلبي منَ الأيَّام مقبلة
والزيفُ يشمخُ، والبنْيان ينهارُ
عودي لروضك إنّ الزهر منتحبٌ
منذُ ارتحلنا، ودمع العين أنهارُ
والمستهامُ بكته الدار من ألمٍ
منذ افترقنا، وترثي حالها الدَّارُ
يا دارُ سدِّي رتاج الباَب وارتشفي
كأس الندامة؛ فالطوفان جبَّار
أو فاجمعي ما تبقى من أحبتنا
في زورق الصدقِ والرُّبَّانُ إصرارُ