يئستَ وقد ضاقت عليك المرابعُ
وذَوَّبَ عينيك الدموعُ الهوامعُ
وترجو زمانا لا يُكدَّرُ عَيشُه
وأيُّ حياةٍ لم تُصِبها القوارعُ
فؤادُك متبولٌ وجَفنُك ساهدٌ
وليلُك مكحولٌ ونَجمُك طالعُ
وصَفوُك غائبٌ وجَهدُك حاضرٌ
وجسمُك منحولٌ وقلبُك ضائعُ
وصبٌّ مَشُوقٌ للتي طالَ نأيُها
وعاذرُها مهما دَهتْكَ الزوابعُ
تُسلِّمُ نفسًا شَيَّبتْها الوقائعُ
لمقلةِ من أخفتْ سناها البراقعُ
أغارت عليك المقلتان برَنوَةٍ
وأنت الذي فُضَّتْ لديك المعامعُ
عَدِيٌّ إذا ما الحربُ دُقَّت طُبولُها
وإذما رَمتْك الغانياتُ فجازعُ
وتَزعُمُ أن القلبَ ما زال صامدا
بُعيدَ دَنتْ منك التي لا تُطاوِعُ
قريرةَ عينٍ لا يؤرَّقُ جفنُها
وجفنُك أبلتْه النجومُ اللوامعُ
أرتنيَ شمسا جانبَ البدرِ ليلةً
إذِ انكشفتْ عن وَجنتَيها الموانعُ
وأنَّى لشمسٍ أن تُشِيعَ بريقَها
وتُهمِلَ جَوفَ الليلِ والبدرُ ساطعُ
أرتنيَ ليلا غيرَ ليليَ مُظلِما
إذِ اجتاحَ ليلي شَعرُها المتتابِعُ
فلما تَبدَّى لي مفاتنُ حُسنِها
تَيقَّنتُ أن العشقَ في القلبِ واقعُ
فقلتُ لها: بالله إني مُتيَّمٌ
بمن حُسنُها بينَ المرابعِ ذائعُ
فإن أنتِ لبَّيتِ الفؤادَ وما رجا
فحظُّكِ في ضيقٍ وحظِّيَ واسعُ
فقالت: رعاك اللهُ إنك عاشقٌ
وما عشقُ أمثالي لقلبِك نافعُ
وعينُكَ تُبدِي ما تُكِنُّ وتَرتجِي
وإنك في غير الودادِ لطامعُ
تَدنَّيتُ منها خُطوةً بعدَ خطوةٍ
فأدنيتُها مني وصدريَ جامعُ
وقبَّلتُ فاها واغتبقتُ سُلافَه
مِرارًا ولم تسمع بذاك المسامعُ
وعانقتُها حتى تطأطأ ضِلعُها
ومُكِّنتُ منها ما حوته الأصابعُ
ألا ليت من أهوى يروحُ ويَغتدي
عليَّ كما تغدو الطيورُ الجوائعُ
فهل من حبيبٍ ليس عادتُه النوى
أمَ انَّ النوى نَصَّتْ عليه الشرائعُ
وهل ليَ ذو ودٍّ يدومُ ودادُه
وهل لي على عهدِ الوصالِ مبايعُ