تخطَّ إلى المحتوى

في غرفة بيضاء تشبه ليلة

الكامل

٧٢٧ بيت

النسيب

في غرفةٍ بيضاءَ تُشبهُ ليلةً

نامتْ على أنقاضِها الأقمارِ

في غرفةٍ صماءَ تمتدُّ الصدى

كالضوءِ فوقَ وسادةِ المِسفارِ

أنفاسُ مَن في السقفِ تُوقظُ غيمةً

وتَعودُ تَهمِسُ مثلَ نايٍ حائِرِ

أجهزةٌ تنبِضُ، والنبضاتُ في

ها تستغيثُ بظلِّ طيفٍ عابِرِ

سريرُ وجعي، والجدارُ مُكبَّلٌ

بالصَّمتِ، بالأنفاسِ، بالأسْرارِ

الجدرُ تنظرُ نحونا بجمودِها

وكأنَّها أَسرارُ مستشفى النهارِ

نبضي يُعانقُ رَجفةَ الأجهزةِ ال

مُتَعبةِ في رُكنٍ بلا أستارِ

كلُّ الممرّاتِ الطويلةِ حولَنا

تَنسى الخطى… وتنامُ في الإعصارِ

في كلِّ زاويةٍ سؤالٌ باكٍ

يتسلَّقُ الأنفاسَ مثلَ حِوَّارِ

حتى الممرُّ يَئنُّ من أقدامِها

كأنَّهُ يُبصِرُ وجهَ موتٍ ساري

تأتي وتَهمِسُ للمَحالِ بلُطفِها

والحلمُ يَنهضُ من رمادِ النّارِ

أُغمِضْ عيوني، لا لأرتاحَ، إنّما

لأراكِ تمشينَ — الحياءُ ستاري

أُصغي إلى وقعِ الخطى، فأُعيدُها

في القلبِ لحنًا من عذابٍ حارِ

هل كنتِ تعرفينَ أنَّ وجودَكِ ال

هادئَ يُغري جرحَنا بالتَّكرارِ؟

كم زرتِ هذا القلبَ من غيرِ القَصَد

وغَرزتِ إبرةَ صمتِكِ في أفكاري

حتى الدواءُ يُصيبُني بِنكايةٍ

ويذوبُ في عُروقيَ استغفارِي

يا مَن تُداوي كلَّ جرحٍ ظاهرٍ

هل تستطيعينَ الشفاءَ لِداري؟

يا مَن تُمَرِّرينَ صمتَكِ كالمَدى

ما أوجَعَ التِّرياقَ في الأسحارِ

لو تعلمينَ بأنّ صَمتَكِ لحظةٌ

تكفي لأزرعَ في الظلامِ نهاري

كم مرَّ طيفُكِ في الدُّموعِ مُكرَّرًا

كالآيِ في تلاوةِ القُرّارِ

لكنَّهُ — ما بينَ حرفِكِ ويدي —

أقربُ من حلمٍ بلا إبحارِ

يا ممرِّضَةَ القلبِ الّتي إنْ أقبلتْ

تُغري الجراحَ وتُوقظُ الأعذارِ

من أينَ جِئتِ؟ ومن أيِّ الحزنِ انبثَقتْ؟

هل كنتِ تسكُنينَ في أقدارِي؟

من أيِّ سطرٍ في كتابِ العُمرِ جئتِ؟

من أيِّ فصلٍ من فصولِ النارِ؟

من أيِّ نافذةٍ تسرَّبَ وجهُكِ ال

مجهولُ نحوَ مراثيَ السُّكّارِ؟

تلكَ المَلامحُ… مثلُ شمسٍ أُطفِئَتْ

لكنَّها ما زالتِ الإنهارِ

يا لوحةً صامتةً من حزنِنا

كم في الصّقيعِ يُضيءُ وجهُ الجَارِ

دخلتْ… كأنَّ البردَ يمشي خلفَها

كأنَّها وجعٌ يسيرُ بشِعارِ

بيضاءُ، لا وردٌ يزيّنُ وجهَها

لكنَّها نُورٌ منَ الأقدارِ

عينانِ — يا للهِ — ما أبردَهما

تَقرآنِ صمتيَ دونَ أيِّ حوارِ

هي لم تَقُلْ شيئًا، ولكنَّ الذي

قالتْهُ عينايَ كانَ انتصارِي

صوتُ الممرّضةِ التي لا تَعرفُ ال

بوحَ، الدواءَ، الدَّمعَ، أو إنذارِي

كأنّها جاءتْ تُداويَ جُرحَ منْ

عاشَ الهوى… وتهدِّئَ التيارِ

والممرِّضةُ البيضاءُ تمشي نحونا

تَطْوي المسافةَ مثلَ نَسْرٍ صَابِرِ

في وجهِها شِبهُ الغيومِ، كأنَّهُ

حزنٌ تناسَلَ من غِيابِ سَحارِ

تَسعى كأنَّ خُطاها تُخيفُ سكونَنا

وتُعيدُ ترتيبَ الجروحِ الباقِرِ

يا سيِّدةَ الصَّمتِ الّتي لا تَسمَعُ ال

شكوى، ولا تُعنى بندْبِ السّاهرِ

هل تَدرينَ أنَّ الوجعَ أبلغُ شاعرٍ

ما دامَ يكتُبُ دونَ أيِّ دَفاتِرِ؟

أنّي رأيتُ اللهَ يسكنُ لحظةً

في وجنتيكِ، وفي انحناءِ الضّامِرِ

يا من تُداوي كلَّ مَن في صَدرِهِ

نارٌ، وتَنسى أنَّها كالنّارِ

تَمضي، كأنَّكِ في ارتجافِ يديكِ

خوفُ الحياةِ، ودهشةُ الأقدارِ

تُبدينَ لي وجهَ السكونِ، وفي دَمي

تغلي القصائدُ مثلَ خمرِ ثَمارِ

هل أنتِ تَسمعينَ ما يَجري بداخِلي؟

إنّي أُحدّثُ فيكِ كلَّ مَدارِ

أقولُ: يا أنثى الغيابِ، أما كفى

أنّي أُضَمّدُ جرْحَ عشقٍ غابِرِ؟

أقولُ: يا وجعي، تأنَّ، فإنّها

عينانِ تُشبهُ آخرَ الأعذارِ

تَرمُقْتَني، فارتَجَّ في عينيَّ ما

لم يَستطِعْهُ الطبُّ والإيثارِ

في غرفةٍ بيضاءَ تُشبهُ ليلةً

نامتْ على أكتافِها الأقمارِ

الجدرُ تَشهقُ بالسكينةِ حولَنا

وتذوبُ في أنفاسِ كلِّ نهارِ

والضوءُ يَلهثُ في الممرِّ كأنَّهُ

طفلٌ يُلاحقُ ظلَّهُ المُحتارِ

نبضي يُحاوِلُ أن يُغنِّي وجعَهُ

لكنَّهُ يُخطِئُ في الإيقاعِ والأنغامِ، والأوتارِ

سكونُها… حتّى الصدى يخشاهُ

ويخافُ من همسِ الممرِّ الجارِي

دخلتْ، كأنَّ الموتَ يمشي خلفَها

وكأنَّها وَصْفٌ من الأقدارِ

بيضاءُ، ليسَ لوجهِها وَردٌ، ولا

كحلٌ يُحدّدُ نظرةَ الإبحارِ

لكنَّ في عينيْنِ منها قُدِّما

ما لم يَقُلْهُ الشاعرُ السِّرّاري

يا وجهَها، كم في سُكونِ ملامِحٍ

نبضٌ يُحدِّثُ قلبَ كلِّ دَوارِ

تمشي فتَهمِسُ في الضماداتِ الرُّؤى

وتُعيدُ ترتيبَ الجُروحِ الكِبارِ

يا مَن تُداوي كلَّ جرحٍ ظاهرٍ

هل تَستطيعينَ الشفاءَ لِداري؟

كم مرةٍ جاءتْ، وأولَ همسِها

فاضَ الألمْ… وانسابَ في أقدارِي

يا نُسخةَ الحزنِ الّتي لو أبصرتْ

سارةَ، لبكَتْ على التّذكارِ

هل تعلمينَ بأنّ صمتَكِ لحظةٌ

تكفي لأزرعَ في الظلامِ نهاري؟

كم مرَّ طيفُكِ في دموعيَ، فانحنتْ

كلُّ المَرايا خاشِعاتِ الغارِ

يا ممرِّضَةَ القلبِ الّتي تأتي إلى

حُلمي، وتُوقِظُ صرخةَ الأسرارِ

من أيِّ بابٍ جئتِ؟ من أيِّ النوى؟

من أيِّ ليلٍ مُثقَلٍ بالأشعارِ؟

من أيِّ سطرٍ في كتابِ العُمرِ جئتِ؟

من أيِّ جُرحٍ صاغَكِ البارِي؟

يا لوحةً بيضاءَ لا ألوانَها،

لكنَّها نَبضٌ منَ التِّذكارِ

كلُّ الوجوهِ إذا أتتْ بعدَ الأسى

تبقى رمادًا في رُكامِ النارِ

أمّا ابتسامتُكِ الخفيّةُ فَجرُها

يُوقظُ خريفَ الروحِ بالأزهارِ

خرجَ الطبيبُ… وبقيتُ أسمعُ في الممرِّ

صدى العيونِ — هناك — يُلقي نارِي

وكأنَّها قالتْ بصمتٍ حارقٍ:

“في عينيَّ ما لم يقلهُ أحدٌ من النّارِ.”

رحلَ الطبيبُ، ونامَ في أركانِنا

صوتُ المِحالِ، ومَوطِئُ الزُّوّارِ

رحلَ الطبيبُ، وظلَّ في أركانِها

صوتُ الرحيلِ، ورفرفةُ الأسرارِ

لكنَّها — يا للعَجب — بعيونِها

قالتْ كلامًا لم يَقُلْهُ السِّحْرِ

وصدى العيونِ يُنادِ في أعماقِنا:

عيناها تقولانِ ما لم يقُلهُ أحدٌ من البشرِ.”

تَمضي الممرّضةُ الحزينةُ… مثلَما

يمضي نداءُ الوقتِ في الإبحارِ

تَمضي… ويَبقى في الممرِّ سؤالُها

يُرهِفُ لِي وَجَعِي، ويَصحو نَاري

وأنا أقولُ — وفي عيونِكِ ما أقولُ —

"عيناكِ تقولانِ ما لم يقُلهُ أحدٌ بالشعرِ…"

عيناكِ — يا سِرَّ الممرِّ — قصيدتانِ

كتبتْهما أنفاسُ نايٍ حزينِ

في كلِّ رمشٍ منهما أسطورةٌ

تُروى، ويجهلُها الورى منذُ حينِ

صمتُ الممرِّ يُجيبُ عن أسئلَتي

وأنا أسائلُ نظرةَ الساكنينِ

هل كنتِ تَعرفُ أنّ عينيْكِ اللّتيْنِ

تَملآنِ هذا البُعدَ بالياسمينِ؟

تَتلو على وجعي صلاةَ ملامحٍ

خَشَعَتْ، ولم تَسجدْ على اليقينِ

تَلقينَ قلبي فوقَ كفِّكِ مَرّةً،

وتَعودُ ترفعهُ كطِفلٍ سجينِ

كم مرّةٍ مرّتْ يداكِ على دمي

فَسَكَتَّ، يا اللهُ، من تَسكتينِ

يا مَن تُداوي الناسَ، وهيَ جراحُها

أعمقُ من جرحِ اليتامى الطّينِ

عيناكِ يا أنثى الشَّقاءِ قصيدتي

وشُعاعُها في الروحِ كالسكّينِ

كَم طافتِ الأحزانُ حولَ نوافِذي

حَتّى أتى من حُزنِكِ التَّنوينِ

سارةُ؟! — همسٌ في الممرِّ يُجيبُني —

وكأنَّ في الاسمِ ارتجافَ الحنينِ

هل كنتِ سارةَ حينَ عبرتِ خيالي

أم كنتِ طيفًا من بقايا سنينِ؟

يا وجهَها المتَخَفِّيَ في حضورِكِ

يا وَعْدَها المسكوبَ في التكوينِ

في عَينِكِ المجهولُ يُفصِحُ عن أسى

لم يُكتَبِ المعنى لهُ بدُيونِ

يا ليتَني ما كنتُ أقرأُ وجْهَها،

فالعينُ تُغْرِقُ كلَّ عقلٍ متينِ

أعرفتِ كيفَ تكونُ نارُ العاشقينَ؟

هيَ في العيونِ، بغيرِ ما تَلوينِ

رحلتْ، ولكنْ ظلَّ في أهدابِها

سرٌّ يُعانِقُ جُرحَتي وأنينِي

وغفتْ على وجعي كأنَّ وسادَتي

نبضٌ يُردِّدُ اسمَها بجبينِي

وحينَ سكنتْ… أحسستُ أنّ فراشَها

قد صارَ سريرَ "سارةَ" في السنينِ

عيناكِ — يا لغزَ الممرِّ — سؤالهُ الجَلَلُ

في صمتهِ تتكلَّمُ الأشياءُ والمُثُلُ

ما كانَ صوتي حينَ مرَّ بنظرةٍ

إلّا انحناءً في الكلامِ، وخَجَلُ

تُلقينَ وجعي مثلَ ثوبٍ ضاقَ بي

وأراكِ تَخْلعُني كما يَخلعُ الأملُ

يا مَن تُداوي بالسكوتِ جراحَنا

كم في سُكونِكِ تَسكنُ العِلَلُ

تَمضينَ بينَ جدارِ حُزني هامسًا

نورٌ يُداوي، ثُمَّ يَجرحُ، ثُمَّ يَرتَحِلُ

كم من دموعٍ في العيونِ تحوَّلتْ

سِرًّا يُناجي في الممرِّ، ويَغتَسِلُ

يا مَن تُضمِّدُني ولا تدري بمن

تُشفي، وتُحيي في يديها القُبَلُ

في كَفِّكِ البيضاءِ مرّ قصائدي

وندى الحنينِ يُداعبُ المِنديلُ

هل كنتِ سارةَ؟ أم شَبَحْتِ حضورَها؟

فالعينُ تُشبِهُها… ويَخدعُنا الدَّلَلُ

يا وجهَها المتخَفّيَ في مَلامِحِكِ

كيفَ استعارَكَ ما بهِ الجَمالُ؟

يا نظرةً خَشَعَ الزجاجُ لدفئِها

وسكبتِ في لغَتي الأسَى والمَالُ

أكتبْتِ شيئًا في عيونِكِ قبلَ أن

تَمضي المَساءاتُ، وتنأى الطِلالُ؟

كم ضاعَ منّي من سؤالٍ صامتٍ

حتّى أجابَتْ بالحنينِ الطِلالُ

يا صامتةَ الشِّفاهِ، ما أبصرتُني

إلّا وأنتِ بداخلي تَشتالُ

رحلَ المَساءُ، وظلَّ في عينيْكِ ما

لم يَخْتَفِ رغمَ الدّواءِ، وطال

همسَ الممرِّ يقولُ لي في وَجْعِهِ:

«سارةُ على سريرِكَ… في السؤال»

عيناكِ تسكبانِ فوقَ تأمُّلي

أسرارَ دَهرٍ ضاعَ في الأحوالِ

تمشي السُّرُرُ بصمتِها، وتَحومُ في

غُرفِ الوجيعِ طيورُهُ الهَزّالِ

يا جَرحَها الأبديَّ، كم في نَظرةٍ

مُختَصَرُ الأعوامِ والأهوالِ

كلُّ الحكاياتِ الّتي لم تُروَ لي

تُقرَأُ في أطرافِها كالمِثالِ

ما لي إذا التَقتِ العيونُ بعَينِها

أنسى الوجوهَ، وأرتَدي سِربالِي

يا ليتَها قالتْ ولو همسَ الهوى

لكنَّها اختارتْ حديثَ الظِّلالِ

صمتٌ يُعيدُ إلى الفؤادِ رُكامَهُ

ويردُّ لي أحلامَ كلِّ زوالِ

يا مَن تُداوي جرحَ غيرِكِ، هل لنا

أن نَستعيرَ دواءَكِ المُفضالِ؟

كم ضمَّدَتْ كفّاكِ جرحًا راحِلًا

وسَكبتِ فيهِ الطيبَ والرِّحالِ

ولكم تهادَى فوقَ كفَّكِ خافقي

فَسَكِنتُ مثلَ الطفلِ في المِهدالِ

يا سِحرَ عينيكِ الّذي لو أقبلَتْ

بهِ ليلةٌ لانجابَتِ الأهوالُ

يا قَبرَ صمتي في حضورِكِ، إنّني

أخشى حديثي مثلَما الأبطالِ

كلُّ الذي في الأرضِ من فِتنِ الهوى

لا يُشبِهُ التِفاتَكِ الهَيّالِ

تلكَ العيونُ إذا تَحدَّثَ دمعُها

هَزَّ الكيانَ، وأُغلِقَ التّأويلُ

كم من سؤالٍ في الدُّموعِ رأيتُهُ

قد قالَ ما لم يَستَطِعْهُ القالِ

يا مَن تُقيمُ على ملامحِ وجهِها

أحزانُ قرنٍ ناحَ في الأطلالِ

يا مَن تُحاوِلُ أن تُخفي نَفسَها

لكنَّها تُفضي إلى الأهوالِ

يا من تُخبِّئُ في العُيونِ خُلاصَها،

وتقولُ لي: هذا هوَ المِحرالُ

أبصرتُ سارةَ حينَ مَرتْ طيفَها،

واستيقظَ الوجدانُ والآمالِ

في وجهِكِ الخَجِلِ استعادَ حنينَهُ

قلبي، وعادَتْ مهجَتي لأصالِي

ورأيتُ في عينيكِ ظلَّ حكايةٍ

تَغفو على سرٍّ من الإبدالِ،

ولقد سمعتُ، كأنَّ همسَكِ يسألُ:

«هل نامتِ سارةُ في سريرِ الخالِ؟»

فأجبتُ قلبي:

الليلُ يبدأُ الآنَ، يا وَجَعَ الجِبالِ...

عيناكِ يا وجعَ الممرِّ، رسائلٌ

من نبعِ حزنٍ فاضَ بالآمالِ

تمشي الممرّاتُ البعيدةُ صامتًا

ويبوحُ في عينيكِ كلُّ سؤالِ

يا ليتَ صوتَكِ — لو نطقتِ — قصيدةٌ

تُشفى بها أرواحُنا المِجذالِ

لكنّكِ اخترتِ السكونَ، فكلّما

طالَ السكوتُ، تكلّمَ الإبدالِ

ما بينَ رمشِكِ والبياضِ حكايةٌ

تُروى بدمعٍ أصدقَ الأقوالِ

كم ضمَّدتْ كفّاكِ جرحًا ساكنًا

فاهتزَّ في نبضي صدى الأهوالِ

يا من تُداوي في العيونِ جراحَها

هل تستريحُ الموجةُ في الأوحالِ؟

هل تعرفينَ بأنّ نظرتَكِ التي

مرّتْ على جرحي، هيَ الزلزالِ؟

كم مرَّ طيفُكِ في دموعيَ ساكنًا

فاستيقظَ الإحساسُ في الأطلالِ

ما كنتُ أعلمُ أنّ صمتَكِ آيةٌ

تُتلى على أنقاضِ كلِّ مجالِ

عيناكِ تسكنُ فيهما سارةُ التي

غابتْ، وما غابَتْ عنَ البالِ

أبصرتُها فيكِ ابتسامةَ نائمٍ،

قد عادَ من موتٍ إلى الآمالِ

يا من تُخبِّئُ في الملامحِ سرَّها،

وتُعيدُ لي تاريخَها المِثالِ

هل كنتِ تعرفُ أنّ قربَكِ لحظةٌ

يمتدُّ فيها العمرُ كالهِلالِ؟

أهواكِ لا شغفًا، ولكنِّي أرى

فيكِ الشفاءَ، وإنّني المُحَالِ

ورأيتُ في عينيكِ ضوءَ حكايةٍ

يغفو، ويوقظُ ما طواهُ الخالِ

ورأيتُ ظلًّا في الممرِّ يُجيبُني:

«سارةُ تنامُ الآنَ في انْفِعَالِ…»

فبكيتُ، حتّى فاضَ صمتيَ خاشعًا

وقلتُ: يا سارةُ… إلى الأهوالِ

يا مَن تُطلُّ على جَراحي مثلما

يُطلِعُ نيسانُ الندى والبالِ

تأتينَ، لا ضَوضاءَ في خطواتِكِ،

كالماءِ يَسري في عروقِ خَيالِ

تَمسحينَ من فوقِ الجبينِ تعَبَهُ

فيُفيقُ وجهُ العمرِ بعدَ جِدالِ

كم ليلةٍ مَرَّتْ، وكنتِ طيورَها

تَغفو على أوتارِها آمالي

يا بسمةً نَسجَتْ على شفَتَي دَمي

لونَ التَّعَزّي في دُجى الأهوالِ

يا وردَةَ الصمتِ الّتي ما ذَبَلَتْ

بل نامَ فيها النورُ كالأطفالِ

هل كنتِ تعرفُ أنّ جَفنَكِ نايُنا

حينَ اشتكَينا ضجّةَ الأنفالِ؟

تَسقينَنا بالصبرِ، لا بالكلماتِ

كأنَّ سحرَكِ مَنهجُ الإكمالِ

وتَمُرّ عيناكِ النقيَّتَانِ على

قلبٍ كسيرٍ خافقٍ مِئْوالِ

فتَقولُ لي — دونَ الكلامِ — بأنَّ في

الجرحِ انبعاثَ اللحنِ والجمالِ

يا من تُعيدينَ انكساريَ مَرّةً

ثمّ التِئامِيَ مثلَ غصنٍ مالِ

ما بينَ كفّكِ والجراحِ حكايةٌ

تُروى بلا حَرفٍ ولا تمثالِ

أهواكِ لا لِلسِّحرِ، بل لِسكونِكِ الّذي

يُعطي الأسى معنىً من الإقبالِ

قد كنتِ مرآةَ الرّجاءِ، فكلّما

غابَ الرجاءُ، رأيتُ فيكِ وصالي

ورأيتُ في عينيكِ — يا سِرَّ الدُّجى —

سارةَ، تُصلّي خلفَ ظلٍّ بالِ،

ورأيتُ وجهي في الزجاجِ، كأنَّهُ

جُرحٌ يُعانِقُ طيفَها المِثالِ،

ثمَّ انطفأتِ، وظلَّ في أهدابِكِ ال

ليلُ الطويلُ، ودمعُهُ الهطّالِ

وهناك يبدأُ فصلُنا الآتي:

حيثُ يُولَدُ الوجعُ، ويصحو الجمالِ

«سارةُ في سريرِ المرض»

نامتْ سَرى الأحلامِ بينَ وسائدٍ

بيضاءَ تحضنُ وجهَها المِيعادِ

والضوءُ يرسمُ فوقَ جبهتِها رؤىً

كالنورِ يُخفي في الدُجى ميلادي

يا سارةَ، اشتعلَ الرجاءُ، فهلْ لنا

أن نلتقي إنْ أُغلِقَ المِرْقادِ؟

يا زهرةً ذَبُلَتْ على كفِّ الدُّجى

وترفُّ في أهدابِها الأعيادِ

وجهُ الممرضةِ انحنى صمتًا، وفي

عينَي سارةَ شِعلةٌ لِشَدادِ

تبكي، ولا تبكي… وتَضحكُ بعدما

أغفى الحنينُ، وساءلَ الأمجادِ

تَتنفّسُ الأوجاعَ مثلَ قصيدةٍ

ضاعتْ على فمِ شاعرٍ مرعادِ

يا نبضَها المرهونَ تحتَ وسادةٍ

هلْ يستعيدُ الوردَ من قد بادِ؟

ما بينَ أنفاسِ الأجهزةِ ارتجَتْ

ذكرى لها، وسَما بها الأبعادِ

كانت تُحدّثُني بلا صوتٍ، كما

يُحدّثُ النجمُ البعيدُ سهادِ

قالتْ: "أحبُّكَ، إنَّما بَقيَ الدُّجى

بينَ العروقِ، وأوشكَ الإلحادِ"

قلتُ: "اسكتي، فالحبُّ دينٌ واحدٌ

ما أضيعَ الإنسانَ إنْ جَحَدَ الوِدادِ"

عيناكِ — يا سارةُ — تفيضُ تلاوةً

تُبقي على الأملِ الذي قد سادِ

وسَرتْ على كفّي دموعُكِ — إنَّها

ماءُ الخلودِ، ومِلحُهُ العتّادِ

حتى إذا أغمضتِ جَفنكِ — همسَ لي

صمتُ الملائكةِ: انتهى الإنشادِ

فبكيتُ، لا حزناً، ولكنْ رهبةً

مِن أنْ يُغادرَ حلمُنا الأمجادِ

وسَرى الممرُّ — كأنَّهُ زمنٌ مضى —

يُخفي على الأكتافِ ما أورادِ

وحملتُ تذكرتي، وفيها صورتُكْ

وسِوارُكَ الأبيضُ… والعِقادِ

حيثُ يَصحو الحنينُ على أطرافِ الوِدادِ

نامتْ سَرى الأحلامُ فوقَ وسادِها

والليلُ يُخفي وجهَها الميَّادَ

يا سارةَ، الوجعُ الطويلُ يجرُّني

نحوَ الممرِّ كأنَّهُ ميعادَ

في كلِّ زاويةٍ تمرُّ حكايةٌ

وتُعيدُ لي من صوتِها الإنشادَ

بيضاءُ، كالنورِ الذي لم يُخلقِ،

تُهدي الأنينَ وتُرجعُ الأبعادَ

يا زهرةً سقطتْ على كفِّ المدى،

فبكتْ عليها الريحُ والأمجادَ

كم مرَّ طيفُكِ في الممرِّ مُبلَّلًا

بدموعِ من أحببتِ واستزادَ

تتلو الصلاةَ بصمتِها، فكأنّها

تُخفي وراءَ الدمعِ وجهَ الجادَ

تُهدي الشفاءَ لغيرِها، وتقولُ لي:

قد ضاعَ منَّا الحبُّ والأضدادَ

عينانِ — تسألانِ عن زمنٍ مضى،

وتعيدَانِ الحلمَ والأعيادَ

يا نبضَها المكسورَ في كفِّ الممرضِ،

هل عادَ للعصفورِ ذاكَ الوِرادَ؟

تبكي الشفاهُ، وتستريحُ كأنَّها

قد بايعتْ بالصمتِ كلَّ جهادَ

وسرى بخطواتِ الأطباءِ الأسى

والوقتُ يقطفُ وردَهُ المِيعادَ

سارةُ… يا وجعي إذا ناديتُها

هربَ الكلامُ، وتاهَ بي الإمدادَ

تغفو وتصحُو، والنهارُ يخاصمُ ال

ليلَ الطويلَ، ويستعيدُ سوادَ

يا ليتَ لي قلبًا يضمُّ دموعَها

أو ظلَّ عمرٍ يستردُّ البادَ

قد كنتُ أرجو أن أكونَ وسادَها،

لكنّما القدرُ البعيدُ أرادَ

نامتْ، وأسرجَ في الممرِّ صُمتُها

قمرًا يُطلُّ، ويُطفئُ الأحقادَ

وفي الختامِ، تركتُ عندَ سريرِها

نَبضًا صغيرًا… ينتظرُ الإمدادَ

كانتْ تُناجي في العروقِ طفولتي

وتعيدُ من ماضٍ بعيدٍ زادَ

يا سارةَ، الأيامُ تَسرقُ وردَها،

لكنَّ في عينيكِ لا يُستادَ

أبصرتُ كفَّكِ — والضمادُ يُعانقُ ال

وجعَ الجميلَ — فذابَ منهُ الحادَ

ما كنتُ أدرِي أنَّ في أنفاسِكِ ال

حُلمَ الذي منهُ الرجاءُ يُشادَ

تسري الممرضةُ الرفيقةُ حولنا،

كأنَّها صمتٌ يفيضُ رُشادَ

وأنا الذي في كلِّ جرحٍ شاعرٌ

ألقى القصيدةَ، فانتحى الإنشادَ

يا ليتَ لي قلبًا يُقاسِمُ ضعفَكِ ال

مكتومَ حينَ يسيلُ منهُ مدادَ

تسقي المريضَ وتستريحُ كأنَّها

تُخفي على أحداقِها إعدادَ

تتلو التراتيلَ التي ما خالطتْ

إلا العيونَ لتوقظَ الأجسادَ

وتقولُ لي: "الحبُّ إنْ أوغلتَ فيهِ

أضحى دواءً لا يُرى، يُزادَ"

فأقولُ: "بل هو سُمُّنا الموعودُ، إنْ

طالَ المدى أو غابَ عنهُ رشادَ"

يا سارةَ الصمتِ الجميلِ، تأمَّلي

كم فيكِ من وجعٍ يُضيءُ بلادَ

تغفو العيونُ على انطفاءِ مآذنٍ،

ويعودُ من صمتِ الضلوعِ رمادَ

كم كنتُ أُخفي في يديَّ تودُّدي،

لكنَّها يأسٌ يُغيّرُ عادَ

نامتْ على صدرِ الغيابِ كأنَّها

أيقونةٌ للنورِ والأبعادَ

حتى إذا انحنى الصباحُ مودِّعًا

ناديتُها، فتبعثَرَ الأورادَ

وغفوتُ قربَ سريرِها مترقّبًا،

لعلَّ في الحلمِ اللقاءَ يُعادَ،

حينَ يُغسَلُ الحزنُ… ويُورِقُ الوِدادَ

بينَ يدينِ من بياض

بينَ اليدينِ تهاجرُ الآلامُ

ويعودُ من تعبِ المسيرِ سلامُ

يا دفءَ كفَّي ممرضةٍ نقيّةٍ

تمحو الأسى، وتفيضُ منهُ غمامُ

تغتالُ صمتي بالحنانِ كأنَّها

سحرٌ تُطلُّ من العيونِ هيامُ

يا من تُعيدينَ المريضَ إلى المنى

ويعودُ للحلمِ الجميلِ نظامُ

في لحظةٍ صارتْ يداكِ كأنَّما

نورٌ يُطلُّ، وتنجلي الأوهامُ

يا وردةً نبتتْ على جرحِ الرجا

وتناثرتْ منها الشذى والأنغامُ

كم فيكِ من معنى الحنانِ، وكمْ بهِ

يغفو على شفتيكِ كلُّ كلامُ

تسري الممرضةُ الجميلةُ حولَنا

والصمتُ يعزفُ بينَنا أنغامُ

كم من مريضٍ في الممرِّ توزّعتْ

أنفاسُهُ بينَ الرجاءِ وخامُ

تغفو يداها فوقَ جبهتِه التي

أثقلَتها الأوجاعُ والأحلامُ

يا لمحةَ النورِ التي تتلو دعًا

وتقولُ: لا تيأسْ، فهذا حُطامُ

سارةُ هنا... في كلِّ نافذةٍ سرتْ

ذكراها، وتبعثَرَتْ أيتامُ

كأنَّها روحُ الممرِّ تُضيئُهُ،

ويعودُ في حضنِ العيونِ غمامُ

سارةُ التي نامتْ على وجعِ المدى

وتركتْ في الصمتِ لي أقدامُ

يا مَن تُعيدينَ الطفولةَ في دمي

وتُقيلُ من تعبِ الدُجى أعوامُ

كم مرَّ وجهُكِ في المدى متعبًا

والضوءُ في كفَّيكِ يستلهمُ العامُ

كم كنتِ تزرعينَ في ظنِّي رِضا

ويمرُّ من أنفاسِكِ الإلهامُ

تغفو الممرضةُ الجميلةُ في الدُّجى،

وكأنَّها في الصمتِ تستلهمُ النامُ

يا لحظةً عبرتْ على عينيَّ مثلَ

سحابةٍ تهمي، ويجري خامُ

كم كنتُ أقرأُ في السكونِ حكايةً

عن وجهِها، وتنوحُ بي الأيامُ

يا زهرةً في قلبِ مستشفى الهوى،

من أينَ جئتِ؟ وكيفَ لي الإلمامُ؟

يا نسمةً بيضاءَ، لو مرَّتْ على

جرحِ القصيدِ، تداوى الأقلامُ

علّمتِني أنَّ الحنينَ عبادةٌ،

وأنَّ صبرَ العاشقينَ حِمامُ

كم قلتُ للنجمِ المعلَّقِ في الدُّجى:

هل تُبصرُ البيضاءَ؟ قالَ: هيامُ

يا نغمةً عبرَ العروقِ، سمعتُها

حتى خُيّلَ أنَّها الأنغامُ

تسري على جسدِ الزمانِ كأنَّها

همسُ الصلاةِ، ويُخرِسُ الأصنامُ

يا مَن تُعيدينَ الجمالَ من الثرى،

ويعودُ في عينيكِ لي الإكرامُ

أهواكِ لا طمعًا، ولكنْ لأنّني

أبصرتُ فيكِ حقيقةَ الإلهامُ

بينَ يديكِ سكينةٌ ما بعدها

إلا الفناءُ، وتختفي الأحلامُ

كم مرَّ من حولي البياضُ، فصرتِ لي

وجهًا يُطلُّ، وتختفي الأقوامُ

يا لحظةً أبقتْ على قلبي المدى،

وسكنتِ في عينيَّ مثلَ ختامُ

حتى إذا رحلَ النهارُ، ترقرقتْ

ذكرى يديكِ، وذابَ بي الإلمامُ

يا مَن تُقاسِمُني الوجيبَ، وتغسلُ ال

أحزانَ عن قلبي، ويستتِمُّ الوئامُ

كم كانَ صمتُكِ في المساءِ رسالةً

تشدو بها الأرواحُ والأحلامُ

سكنتْ يدَاكِ على يديَّ، فخُيّلَ ال

كونُ استراحَ، وتاهَ بي الإنعامُ

لكنَّ ظِلًّا من فراقٍ لاحَ لي

فبكيتُ — يا سارةُ — وضاعَ دوامُ

وهنا، على بابِ الرحيلِ، يُولَدُ ال

فصلُ الأخيرُ، «

حيثُ يُودَّعُ الحُبُّ… ويبدأُ الفقدُ والكلامُ

غيابٌ مزدوجٌ عندَ البوّابة

ما زالَ في قلبي بقايا نَفْسٍ

تشتاقُ وجهَ النورِ بعدَ الدُّوسِ

يا مَن تركتِ بكفِّكِ الإشفاقَ لي

وغفوتِ عنّي في دروبِ طُمُوسِ

كم مرَّ طيفُكِ في الممرِّ مؤرَّقًا

يُخفي الدموعَ وراءَ ضوءِ الكُوسِ

كانتْ يدُ الممرِضاتِ تُواسيَ ال

أحزانَ، لكنْ غابَ كلُّ حُسُوسِ

رحلَ البياضُ، ولم يَعُدْ في غرفةٍ

إلا الصدى، وحنينُهُ الممسوسِ

يا آخرَ الأنفاسِ قبلَ غيابِها

هل كنتِ تعرفُ أنَّني المحسوسِ؟

كنتِ الحياةَ، وكانَ موتي موعدًا

يتقدَّمُ الخطواتِ دونَ نُعوسِ

ما عادَ في عينيكِ إلا نبرةٌ

تشكو الفراقَ، وتُطفِئُ القندوسِ

كم كنتِ تُخفينَ الوداعَ بنظرةٍ

ويبوحُ لي منها اشتعالُ شموسِ

يا من تركتِ القلبَ في نفقِ الأسى

وضيَّعتِ العمرَ الجميلَ دروسِ

أواهُ من هذا الرحيلِ، كأنَّما

غابتْ من الأكوانِ كلُّ نفوسِ

ما عادَ في جسدي سوى ذكرى يديكِ

ورفيفُ حلمٍ ضاعَ في المرموسِ

يا وردةً نادتْ، ولم يسمعْ نداها

إلا الرمادُ، ومهجتي المَحْبُوسِ

كانتْ يداكِ إذا أتينَ، تُعيدُ لي

أنفاسيَ المسلوبةَ المَنْكُوسِ

واليومَ، لا دفءَ يلوِّنُ مقلتي

ولا بريقٌ في الدُّجى المدسوسِ

يا ليتَ صوتَكِ في الممرِّ يُنادِني

كي أستعيدَ بكَ الهوى المحسوسِ

يا ليتَ ظلَّكِ لم يزلْ في مقعدي

يمتدُّ نحوي كالهُدى المدروسِ

لكنَّهُ الأجلُ المهيمنُ في المدى

لا يرتوي من قلبِنا المنحوسِ

سارةُ — وهل تُنسى الظلالُ وقد مَضَتْ؟

هي آخرُ الآياتِ في الناموسِ

يا من رحلتِ، وظلَّ وجهُكِ في دمي

كالنارِ، تشتعلُ الجراحُ بسوسِ

رحلتْ ممرضةُ البياضِ، وخلفَها

سارةُ — تهمسُ: "ما لنا من نُوسِ"

فوقَ البوّابةِ ظلَّ وجهي ضائعًا،

والريحُ تعصفُ، والدموعُ دروسِ

يا من إذا حضرَتْ، تأنَّسَ ليلُنا

واليومَ غابَ حضورُكِ المأنوسِ

كم من فراقٍ في الوداعِ تمزّقتْ

منهُ القلوبُ، وضاعَ كلُّ نُفُوسِ

يا من تركتِ على الكتِفْ أنفاسَكِ ال

محزونةَ، وسكنتِ بعدَ رموسِ

تغفو الممرضةُ الجميلةُ في الثرى

وسكونُها في الكونِ غيرُ دروسِ

أبكي، وتبكي الممراتُ التي

عَرَفَتْ خطاكِ، وخَفْقَةَ القُدُّوسِ

ما بينَ سريرٍ فارغٍ، ووداعِها

ضاعتْ سنينُ الحلمِ والناموسِ

يا موتُ، مهلاً — إنَّ قلبًا مثلَها

لا يُستَباحُ، ولا تُنالُ هجوسِ

يا ليتَ لي في الحلمِ ثانيةً بها

تأتي وتغسلُ وجعي المبلوسِ

وتقولُ لي: "قمْ، لا تمُتْ، فالدفءَ لي،

والحبُّ ما زالَ الجميلُ الدُّوسِ"

غابتْ يداها… ثمَّ غابتْ بعدها

سارةُ التي كانتْ ضياءَ شموسِ

ووقفتُ وحدي عندَ بابِ نهايتي

أستنطِقُ الغيماتِ والأنفُسِ

ومنْ خلفِ بوّابةِ الرحيلِ تولَدُ

وتبدأُ الأسطورةُ الأخيرة. ؟

خرجتْ بهدوءٍ كالسَّرابِ العابرِ

تركتْ وراءَ الوقتِ نارَ الدّابرِ

خطواتُها نُوحُ الوداعِ كأنَّها

آياتُ موتٍ تُتلى على الأسطَرِ

يا مَن مشَتْ والعينُ تبكي خلفَها،

كالشمسِ تمضي عن ضياءِ الحاضرِ

هل كنتِ تعرفُ أنّ خلفَ حقيبةٍ

قلبًا يودِّعُ في الظلامِ مسافِرِ؟

ما زلتُ أسمعُ وقعَ كعبِكِ في الدُّجى،

نبضًا يدقُّ حنينَهُ في خاطِرِ

قد كنتِ آخرَ من يُضيءُ صبابتي،

وسنينَ عُمري في يديكِ محاضِرِ

كلُّ الممرِّ تلاشتِ ابتسامتهُ

من بعدِ وجهكِ كالبساتينِ العاقِرِ

يا ممرضةَ الأحزانِ، كيفَ رحلتِ لي؟

وتركتِني وحدي بقلبٍ ساهِرِ

كنتِ الشفاءَ لجرحِ أيامي، فما

جُرحُ الحنينِ يُداوِهِ متطاهِرِ

كلُّ البياضِ تلطّخَ الآنَ أسىً،

وغدوتِ سرًّا في دموعي السافِرِ

يا من وهبتِ الليلَ بعضَ نُضوجِهِ،

ورحلتِ عنهُ كخاتمٍ في الدافِرِ

كم كنتِ تشبهُ سارةً في صمتِها،

لكنَّ حزنكِ في العيونِ مُغايرِ

هي سارةُ المشتاقُ في ذاكرةٍ

وأنتِ حزنُ اللحظةِ المتكابِرِ

يا ليتَ موتي كانَ قبلَ وداعِنا

كي لا أرى الأبوابَ في الممرِّ تُغادِرِ

يا ليتَ ظلكِ حينَ مالَ تأخَّرَتْ

خطواتُهُ عنَّا بحلمٍ ناصرِ

يا ليتَ قلبي كانَ مثلَ وسادتي،

يبقى لدفئكِ في الحضورِ مجاورِ

لكنَّهُ الأجلُ المسيرُ، وكلُّ ما

في العمرِ مكتوبٌ بقوسِ القادِرِ

خرجتِ، فاهتزَّ الجدارُ تحسُّرًا،

وانسابَ دمعُ المِصباحِ في الأسطَرِ

والبابُ – يا للمشهدِ المعكوسِ – ما

أغلقْتِهِ إلّا لفتحِ المقابِرِ

ما عادَ في الغرفاتِ غيرُ صدىً

يُبكي الممرَّ كأنَّهُ المتذمِّرِ

رحلَ الدواءُ، وظلَّ في أنفاسيَ ال

حزنُ الثقيلُ كدَفْقِ ماءٍ عاكِرِ

كم كنتِ تُخْفِينَ الوداعَ بنظرةٍ

تشكو الخفوتَ لموعدٍ متأخِّرِ

وخرجتِ… فارتدَّ المكانُ ملوِّنًا

بلظى غيابٍ حارقٍ متواتِرِ

يا مَن تركتِ بخطوةٍ آثارَكِ ال

مبلولةَ بالأنّاتِ في المتأخِّرِ

هل تعلمينَ بأنَّني ما زلتُ أنتظرُ ال

مستحيلَ، وأخافُ وجهَ الزّائرِ؟

رحلَ الجميعُ، وما بقيتُ سوى صدىً

يلهو على أوتارِ لحنٍ نافرِ

نامَ الطبيبُ، وصارَ صوتُكِ في المدى

مثلَ الصلاةِ على فؤادٍ صابرِ

يا من تبقّيتِ الشفاءَ لنفسِكِ،

وتركتِ في قلبي شتاتَ الخاطرِ

يا زهرةً عبرتْ، ولم تتركْ سوى

عطرًا يُذكّرُ بالربيعِ الهاجرِ

قد كانَ في وجهِ الوداعِ ملامحٌ

تشكو، وتبكي في الخفاءِ الغامرِ

لكنَّني لم أدرِ أنّ خُطاكِ قد

تُغري الغيابَ بأنْ يكونَ السّاترِ

خرجتِ... فامّحَتِ الممراتُ التي

كانتْ تُضيءُ بنورِ وجهٍ طاهرِ

يا للممرِّ وقد غدوتُ به اليتيمَ

وكلُّ صوتٍ فيه صارَ محذِّرِ

السماءُ بعدَ الرحيل

يا للسماءِ إذا تناثرتِ السُّرَرْ

وانسابَ وجهُ الحبِّ فيها واستطارْ

كم كنتِ، يا سارةُ، المدى مترفًا،

يحكي الحنينُ بهِ الحروفَ ويستعارْ

رحلَ الجميعُ، وظلَّ طيفُكِ ساطعًا

كالبرقِ يخطفُ من دُجاهمْ كلَّ نارْ

قد كنتِ آخرَ ما تراهُ عيونيَ ال

مكويهُ بالآهاتِ منذُ الانفطارْ

يا ليتَ موتي كانَ قُبلةَ وجهِكِ ال

مَحزونِ، أو خطفَ الزمانِ بلا انتظارْ

يا من تُطلّينَ من السماءِ كأنَّنا

نجمَانِ، بينَ البُعدِ والوجدِ الحِوارْ

كم في الفراقِ تجلّتِ الرؤيا التي

تبكي وتضحكُ، والجنونُ لهُ مدارْ

أهواكِ رغمَ البُعدِ، يا أنثى السما،

يا حلمَ روحي، يا نجومَ الانتظارْ

نامَ الوجودُ، وظلَّ وجهي ساهرًا،

يرنو إلى الآفاقِ في صمتِ المسارْ

أذكرْتِ ذاكَ اللمسَ فوقَ وسادتي؟

كانَ الدواءَ لجُرْحِ قلبي المنهمارْ

أذكرْتِ صوتي حينَ ناديتُ اسمَكِ ال

مرسومَ في صدرِ الغيابِ كاختصارْ؟

سارةُ... يا معنى الحنينِ بأدمُعي،

يا قبلةَ العُمقِ الذي لا يُستعارْ

يا من تركتِ على الفؤادِ علامةً

كالوشمِ، تسكنُ في الحنايا كالشرارْ

هل تسمعينَ دعاءَ قلبيَ كلَّما

هبّتْ رياحُ الليلِ من بابِ الديارْ؟

قد كانَ وجهُكِ في الممرِّ قصيدتي،

واليومَ أصبحَ في السموِّ لهُ مدارْ

من بعدِكِ الأزمانُ تمشي ميتةً،

والعمرُ يُحصي موتَهُ، طورًا، وطارْ

غابتْ يداكِ، فهل بقيتِ سوى رؤى

ترنو إليَّ وتستفيضُ بها البحارْ؟

سارةُ، إنّي لم أزلْ متعلّقًا

بكِ، رغمَ موتٍ يُغلقُ الأبوابَ نارْ

يا من وهبتِ الشوقَ لي أجنحةً

تحنو على تعبي وتغسلُني بنارْ

قد كنتِ أولَ نغمةٍ في لحنِنا،

واليومَ أنتِ ختامُهُ فوقَ الغُبارْ

ما عدتُ أفرّقُ: هل أنا أتنفّسُ ال

حلمَ الجميلَ، أم انطفاءَ الانتظارْ؟

كلُّ الطيورِ إذا رحلتْ عادتْ،

إلا التي عشقتْ سماءَ المستطارْ

أنا فيكِ... في عينيكِ... في ذكرى يديكِ،

وفي التماعِ الضوءِ من فجرٍ نهارْ

كم بتُّ أبحثُ عنكِ بينَ نُجومِهمْ،

أستنهضُ الأرواحَ في صمتِ المدارْ

يا من تلوّحينَ في فضاءِ مشاعري،

كالموجِ حينَ يلوّحُ البحرَ انكسارْ

يا ليتَني متُّ الفَ صباحٍ عندَها،

حينَ استدارَ الوردُ فوقَ المستدارْ

لكنَّني أؤمنْتُ أنَّ لقاءَنا

ليسَ انتهاءً... بل بدايةَ الانبهارْ

فهناكَ في الأُفقِ البعيدِ، تلمحينْ

وجهي يلوّحُ، بينَ طيفٍ وانحدارْ

وهناكَ نُكملُ ما بدأناهُ هنا،

حبًّا بلا موتٍ، ولا حزنٍ، ولا نارْ

السماءُ بعدَ الرحيلِ كتابُنا

تقرؤهُ الأرواحُ عبرَ مدارْ

وسارةُ ما زالتْ على مقعدِ الفجرِ

تغزلُ من نُوريَ الأقدارْ،

يا مَن بدأنا الحلمَ في غرفةٍ

ها نحنُ نختمُهُ في الأعصارْ

فالحبُّ — إن صدقَ — يظلُّ سماءً

لا تُقاسُ بعُمرٍ… ولا بانكسارْ